رجال حول الرسول | زَيْدُ بنُ حَارثة حِــبُّ رسُول الله ﷺ وحِبًا لله عزَّ وجلَّ
زَيــْدُ بنُ حـَارثـَـــة (رضى الله عنه)
حبُّ رسول الله ﷺ
فمن هو ؟- هو الصحابى الوحيد الذى ورد ذكره صراحة فى القرآن الكريم ، قال الله تعالى : ﴿ .. فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا .. (37) ﴾ الأحزاب .
- يُذكر أنه يومًا خرجت فيه سُعْدى بنت ثعلبة بابنها الصغير زَيْد لزيارة أهلها ، وتصل سُعْدى إلى ديار قومها آمنة ، ومعها الصغير يشب وينمو فى ديار قوم أمه ، وبينما هى هناك إذ تُغِير قبيلة من القبائل على الديار ، وتخطف الغُلام لتبيعه فى سوق عكاظ فيشتريه حكيم بن حزام الذى يبيعه بدوره لإبنة عمه خديجة بنت خويلد فتهديه لزوجها مُحمَّد بن عبد الله ﷺ ، وكان ذلك قبل الهجرة .
- تعود سُعْدى بنت ثعلبة إلى زوجها حارثة بن شرحبيل حزينة باكية فيشتد حزن الأب ، ويَشد الرِّحال باحثا عن وليده الصغير الذى لم يُجاوز عُمْره الثمانى سنوات ، ويتمزق شوقًا لإبنه .. فينشد ذلك الشعر الحزين :
بَكيْت على زيد ولم أَدْرِ ما فعـــل أحىٌّ يُرجى أَمْ أتى دُونَه الأَجَـــــل
فو الله ما أَدْرى وإنْ كُنتُ ســـائِلاً أغَالَك سهْلُ الأرض أم غَالكَ الجَبَل
فيَاليْت شِعْرى هل لك الدَّهْر رَجْعَةً فَحَسْبى من الدنيا رُجُوعُكَ لى بَجَل
تُذكرُنيه الشمسُ عِنْد طُلُوعهـــــــا وتَعْرِضُ ذِكْراهُ إذا قَارَبَ الطَّفَــــل
وإن هَبَّتِ الأَرْواحُ هَيَّجْنَ ذِكْــره فَيَاطُول مَا حُزْنى عَليه ويَا وَجَـــل
سَأعْمِلُ نص العِيسِ فى الأرض جاهدًا ولا أَسْأَمُ التطوَافَ أو تسأَمُ الإِبِــــل
حَيَاتِى أو تأتى علىَّ مَنيَّتِـــــــــى وكُلُّ امْرِئ فَانٍ وإن غرَّهُ الأَمَـــــل
فَأُوصِى بهِ قيْسًا وعمرًا كِليْهِمَـــا وأُوصِى يَزيدَ ثُمَّ من بَعْده جَبَـــــــل
- هذا الشعر تسير به الرُّكْبان فى كل مكان حتى يصل إلى مكة على ألسنة بعض القوافل ، ويسمعه زَيْد ، ويفهم أنه المقصود ، فيذهب إلى هؤلاء القادمين ويقول لهم : إذا رجعتم إلى دياركم فبلغوا عنى مقالتى .. وينشدهم أبياتا يقول فيها :
أَحِنُّ إلى قومى وإن كُنْتُ نائيًـا فَإنِّى قَعيدُ البيتِ عِنْد المَشَاعِـــــر
فَكُفُّوا عن الوَجْدِ الذى قد شَجَاكُمُ ولا تَعْملُوا فى الأرض نصَّ الأَبَاعِر
فَإِنِّى بِحمْد الله فى خَيْرِ أُسْــرةٍ كِـرامِ مَعْـدنٍ كَابِرًا بَعْد كَابِـــــــــر
- يحفظ الرُّكبان شعر زَيْد بن حارثة ، ويرجعون به إلى قومه ، ويسمع الأب شعر ابنه ، ويكاد يطير من الفرح ، ويَشُدُّ الرِّحال إلى مكة مع أخيه كعب بن شرحبيل .. فقد آن الأوان للقاء الحبيب الغائب .. ويصل الأخوان إلى مكة ، ويسألان حتى يعلما بمكان زَيْد ، وأنه لدى الصادق الأمين محمد بن عبد الله ، فيذهبان إليه ويقولان له : يا بْن عبد المُطَّلب ، يا بْن هَاشمٍ ، يا بن سيِّد قومه .. أَنتمْ أهل حرم الله تفُكُّون العَانِى ، وتُطْعمُون الأَسير .. جِئْناك فى ابن لنا عندك ، فامْنُنْ علينا ، وأَحْسنْ إلينا فِداءهُ .. فقال : "فَهلاَّ غير ذلك ؟" .. قالوا : مَا هُو ؟! .. قال : "أدْعُوه وخَيِّرُوه ، فإن اخْتَارَكُم ، فهو لَكُم بغير فِداء .. وإن اخْتارنِى ، فما أنا بالذى أَخْتارُ على من اخْتَارنِى أَحدًا" .. قالا : لقد زِدْتنا على النَّصف وأحْسنت .. فدعاه النبى ﷺ فقال : "هل تَعرفُ هَؤُلاء ؟!" .. قال : نعم ، هذا أبى وهذا عمِّى ، .. قال : "فأنا من قد عرفت ، ورأَيْت صُحْبتى لك ، فاخْترْنى أو اخْتَرْهُمَا" ــــ ولم يكن النبى ﷺ قد بُعث بعد ـــ قال : ما أنا بالذى أَخْتارُ عليك أحدًا أنت منِّى مَكان الأَب والعَمِّ .. فقال أبوه وعمه : ويْحَكَ يا زَيْد ، أتَخْتَار العُبُودية على الحُرِّيَّة ، وعلى أبيك وأَهْلِكَ ؟! .. قال : نَعم ، مَا أنا بالذى أَخْتارُ عليْه أحدًا ابدًا ..
- فلما رأى النبى ﷺ ذلك ، أخذه من يده وذهب به إلى الكعبة حيث يجلس أشراف قريش ونادى : "يا من حضر ، أشْهَدُوا أن زَيدًا ابنى ، يرثنى وأرِثُه" .. فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما ، وانصرفا عائدين إلى ديارهما .. وأصبح زيد يلقب بزيد بن مُحمَّد .. فقد كان التبنِّى مُباحًا فى الجاهلية ، حتى جاء الإسلام ونزل قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5) ﴾ الاحزاب .
- هكذا تغير إسم زيد مرة ثانية ليصبح زيد بن حارثة وإن كان المشهور به بين الصحابة هو زيد الحِب .. فقد أسلم زيد بن حارثة أول الناس بعد السيدة خديجة (رضى الله عنها) وقبل أبى بكر الصديق (رضى الله عنه) فى أرجح الأقوال ، وكان (رضى الله عنه) أحب الناس إلى رسول الله ﷺ وأقربهم إلى قلبه ، حتى أن السيدة عائشة (رضى الله عنها) تقول : ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فى سرية إلا أَمَّرهُ عليهم ، ولو بقى لاستخلفه رسول الله ﷺ بعده ..
- ولمعرفة زيد بمنزلته عند النبى ﷺ يذهب إليه يومًا متطلعًا إلى نسبه ، ويطلب منه أن يُزوجه بابنة عمته زينب بنت جحش ، الحسيبة النَّسيبة ، سيدة فتيات قريش وأتقاهن .. ويذهب النبى ﷺ مُلبيا طلب حبيبه إلى السيدة زينب ، عارضًا عليها ذلك فتقول له : آمرًا أنت يا رسول الله أم شافعًا !! قال : "بل شافع" .. فترفض هذا الزواج ، ويرفضه أخوها عبد الله بن جحش كذلك ؛ فقد كان التكافؤ معدومًا .. فأنى لهذه الحسيبة النَّسيبة أن تتزوج ممن كان بالأمس القريب عبدًا !!..
- وقبل أن يُخبر النبى ﷺ زيدًا برفض زينب ، إذا بجبريل الأمين ينزل بوحى السماء : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) ﴾ الاحزاب . تستمع السيدة زينب (رضى الله عنه) إلى الآيات ، وتقول : أطعت الله ، وأطعت رسوله .. فقد اتضح للجميع أن زيدًا لم يكن حِبًا لرسول الله ﷺ فقط ، بل كان حِبًا لله عزَّ وجلَّ ، الذى ذكر اسمه فى القرآن الكريم دون أسماء الصحابة جميعًا ، ودون أسماء أصحاب الأنبياء كذلك .. وأصبح ذلك الإسم وحروفه من كلام رب العالمين الذى لا يَمسه إلا المُطَهَّرون ، يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) ﴾ الاحزاب .
- تمضى الأيام .. ويقضى زيد وطره ، ويذهب إلى النبى ﷺ يستأذنه فى طلاق زينب فيقول له قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿.. أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ .. ﴾ حتى نزل أمر الله عزَّ وجلَّ بالطلاق ، وبزواج النبى ﷺ من زينب لتصبح من أمهات المؤمنين (رضى الله عنها) ، وليبطل الله شرع الجاهلية من تحريم الزواج بزوجات الأبناء من التَّبنِّى ..
- لقد كان زيد بن حارثة من رهبان الليل ، وفرسان النهار .. فما تخلف عن رسول الله ﷺ فى غزاة غزاها قط حتى جاءت غزوة مؤتة قريبًا من الشام حين علم النبى ﷺ أن هرقل قد جهز جيشًا يغزو به ديار المسلمين ، فأراد أن يُرسل إليه جيشًا لملاقاته فى مُؤْتة وكان ذلك فى السنة الثامنة من الهجرة ، وأَمَّر على الجيش زيد بن حارثة وقال : "إن قتل زيد فالأمير جعفر بن أبى طالب ، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" .. عن عروة بن الزبير (رضى الله عنهما) .
- ويخرج الجيش لإظهار شوكة الإسلام ، ولرد كيد الأعداء فى ديارهم ، حتى لا يجترءوا على التفكير فى غزو بلاد المسلمين بعد ذلك .. وتدور المعركة ، ولا يهاب زيد بن حارثة ذلك العدد من جيش الروم الذى قوامه مائتا ألف مقاتل ، يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ .. كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) ﴾ البقرة .
- ويرفع زيد بن حارثة راية رسول الله ﷺ ويقتحم هذه الجموع بسيفه لا يبتغى النصر بقدر ما يبتغى لقاء الله عزَّ وجلَّ فقد آن الأوان للحبيب أن يلقى حبيبه ، ويُقتل زيد بن حارثة مدرج بدم طاهرة بدماء الشهداء وها هو يلف جسده التراب ولا يلف جسده الحرير ، ولم يكن الجسد مهم بقدر ما كانت الراية مهمة ، فيقتحم جعفر ويختطف الراية قبل أن تسقط إلى التراب ويرفعها ويكبر ويقود الجيش ، وسرعان ما يُقتل جعفر بعد أن يفقد يده اليمنى ثم يحمل الراية بعضديه ، ويُقتل جعفر ، ويتلقى الراية عبد الله بن رواحة ثم لم يلبث أن لحق بصاحبيه .. وينزل جبريل (عليه السلام) إلى النبى ﷺ يُخبره باستشهاد القادة الثلاثة ، وبأن خالد بن الوليد أخذ الراية ، وفتح الله له ..
- فخرج النبى ﷺ إلى أصحابه وعيناه تزرفان وهو يقول : "أخواى ومؤنساى ، ومحدثاى" .. مشيرا إلى زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبى طالب (رضى الله عنهما) ، زيد بن حارثة ذلك الذى كان بالأمس عبدًا والذى ذُكر اسمه فى القرآن ذلك الحِب ، حِب رسول الله ﷺ ذلك الذى اختاره الله عزَّ وجلَّ له الشهادة فى السنة الثامنة من الهجرة ..
- ترى أين قبره ؟ وأين مثواه ؟ وكلنا يعلم أنه قُتل شهيدًا فى غزوة مؤتة ، لا قبر له ، ولا يعرف أحد مكانه ولا مقصورة ولا مسجد ، ولا قُبة ، ولا ذكرى فهل ينقص ذلك من قدره ، وكم حوى التراب من أجساد طاهرة ، زيد بن الحارثة حِب رسول الله ﷺ وأبو حِبه أيضا فقد زوَّجه النبى ﷺ بجاريته أم أيمن بركة الحبشية فولدت له أسامه بن زيد ذلك الغلام الذى كان عمره ستة عشر ربيعًا وأَمَّرهُ النبى ﷺ على جيش فيه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب (رضى الله عنهم جميعا) .. نسال الله أن يرفع درجاتهم ويُلحقنا بهم . ᮷
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛