الدين المعاملة | الإصلاح بين الناس أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات

 الإصلاح بين الناس


الإصلاح بين الناس من الأمور التى أمر بها الله ، ورسوله .. وهى من الأهمية بمكان ، لأنها أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات ، إذ بها يصبح المسلمون إخوة ، وقوة وترابط المجتمع ، وتذهب الشحناء ، والتباغض ، والتدابر ، ويعد إصلاح ذات البين من مكارم الأخلاق العظيمة .. 

والله تبارك وتعالى يقول﴿ .. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1)  الأنفال ..  ويأمر بالإصلاح بين فئات المسلمين وطوائفهم فيقول :  ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)  الحجرات . 

فالإصلاح مطلوب ، ولو وصل الأمر للقتال بشروط : العدل فى الحكم .. والبعد عن الهوى .. وعدم التعصب لجنس ، أو لون ، أو قبيلة .. والإخلاص لله فى ذلك .. والرسول  يقول : "انْصُر أخاكَ ظالمًا أو مَظْلومًا" ، قالوا : قد علمنا كيف ننصره مظلومًا ، فكيف ننصره ظالمًا ؟  .. قال : "أن تكُفَّه (تمنعه) عن الظلم ، فإنَّ ذلك نصْرُهُ"   رواه البخارى عن أنس (رضى الله عنه)  .. وعلى الرغم من أن الكذب ممنوع إلا أن رسول الله  قد رخص فيه عند الإصلاح بين الناس ، فقال : "ليس الكذَّاب الذى يُصلحُ بين النَّاس ، فَيَنْمى خيرًا ، أو يقول خيرًا" .. وذلك لأهمية الإصلاح بين الناس .. 

وقد قال الله تبارك وتعالى﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)  الحجرات . .. وهو أمر من الله تبارك وتعالى بالعمل على إزالة العداوة والبغضاء بين الناس ، والإصلاح بينهم ؛ حتى لا نكون كالذين قال الله فى شأنهم ﴿ .. تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14)  الحشر . 

وعن الإصلاح بين الزوجين يقول الحق تبارك وتعالى﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)  النساء ..  ويقول﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ .. (128)  النساء .

وما من أمر من أوامر الله عزَّ وجلَّ يطاع ، إلا وله ثوابه وجزاؤه ؛ فالإصلاح بين المتخاصمين مأمور به ، وللقائم به أجره وثوابه إذا ابتغى به وجه الله .. والنبى  يقول : "ألا أُخبِرُكم بأفضل درجةً من الصِّيام ، والصلاة ، والصَّدقة ؟" ، قالوا بلى يا رسول الله .. قال : "إِصلاحُ ذات البين .. فإن فساد ذات البيْن هى الحَالِقَةُ .. لا أقول تَحْلق الرَّأس ، بل تَحلقُ الدِّين" ..  رواه الترمذى عن أبى الدرداء (رضى الله عنه)  .. 

نعم فإن التخاصم بين الناس ، والخلاف بينهم يورث العداوة ، والبغضاء ، ويوقع المتخاصمين فى : الغيبة ، والنميمة ، والسُّخرية ، والسباب ، والشتم .. وكلها من الكبائر التى تذهب بدين الإنسان والله يقول﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)  الحجرات . 

فكم من بيت كاد أن يتهدَّم ، بسبب خلاف بين زوجين فإذا بهذا الذى يُصلح بين الناس يتدخل بكلمة طيبة ، ونصيحة صادقة ، وأحيانًا بمال مبذول ؛ فيُعيد المياه إلى مجاريها ، ويُصلح بين الزوجين ، وينقذ أسرة من التشرد والضياع . 

وقد يصل الأمر إلى التقاضى ، وأكل المال بالباطل ، وشهادة الزور ، وإفناء العمر فى الكيد للخصم ، والتربص به ، وما إلى ذلك ــ ويقول أحد الحكماء
لو تراحم الناس لاستراح القاضى   ،   ولبات كل عن أخيه راض

ويشير الحق تبارك وتعالى إلى فضل الإصلاح بين الناس فيقول﴿ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)  النساء . 

ويبين النبى  ما يجب أن تكون عليه أمته فيقول : "مثلُ المؤمنين فى توادُّهم ، وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثلِ الجسد الواحد : إذا اشْتكى منه عُضو تداعى له سائرُ الأعضاء بالحُمَّى والسَّهر" .. 
ويقول  : "لا يحلُّ لمسلم أن يَهْجر أخاه فوق ثلاث .. يلتقيان فيعرضُ هذا ، ويعرضُ هذا ، وخيرهما الذى يَبدأُ بالسَّلام" .. 

ولما كان الإيقاع بين الناس من الكبائر التى تهلك صاحبها ، وهو النَّميمة التى حذرنا رسول الله  منها .. والخصومة غالبًا ما تنشأ بين الناس بسبب حب الدنيا ، والتنافس عليها ، مما يورث الحسد ، والحقد ، والكراهية ، والبغضاء .. وكل ذلك حذر منه النبى  بقوله : "لا تَقاطعُوا ولا تَدابرُوا ولا تَباغضوا ولا تحاسدُوا وكُونوا عباد الله إخوانًا" .

وقبل أن يهاجر النبى  إلى المدينة ، كان الأوس والخزرج فى حروب مستمرة ، وعداوة ؛ مما أتاح الفرصة ليهود المدينة أن يسيطروا عليهم ، وأن ينشغلوا بجمع المال ؛ فتكون لهم القوة والسلطان ، ويكثر عددهم ؛ وينشئوا الحصون الكثيرة : كحصن خيبر ، وقريظة ، وبنى النضير ، ويقل عدد العرب بالتقاتل ، ونشوء الثأر بينهم ، ويصرفوا جهودهم فيما يعود عليهم وعلى أبنائهم بالضرر ، فتترمل النساء ، ويتيتم الأطفال ، ويقل المال فى أيديهم ، ويسهل بعد ذلك استئصالهم.. 

وحين هاجر النبى  إلى المدينة ، وشرح الله صدور أهلها للإسلام ، ألف الله بين قلوبهم ، وامتن عليهم بذلك فقال﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)  الأنفال . 

ويأمرهم سبحانه وتعالى بالاعتصام ، ويذكرهم بفضله عليهم ، ويحذرهم من الفرقة فيقول﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)  آل عمران .

ولعل الله تبارك وتعالى أراد أن يؤلف بين قلوب المسلمين .. ولعلهم ينتبهون إلى عبرة التاريخ ، وأن ما أصاب الأمة من وهن ، وضعف ، وتمزق ما هو إلا بسبب الإختلاف ، والفرقة ، والتنافس على الدنيا .. ولو عملوا بالنصيحة ، فأصلحوا ذات بينهم ؛ لتوحدت الجهود ، وتآلفت القلوب ، وما طمعوا فيهم أعداؤهم ، واجترءوا عليهم ، فاقتطعوا أرضهم ، ونهبوا ثرواتهم . 

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

من كتاب أخلاقيات الإسلام

للشيخ / ياسين رشدى