الدين المعاملة | التـواضـع فى الإسلام
التَّـواضُـعُ خُلق الكِبَـار
التَّواضُع هو أن تضع نفسك حيث يجب لها أن تُوضع ، دون تكبُّر وافتخار ، ودون ذِلَّة وهَوان .. فالتواضع وسط بين الكِبْر وبين الذِّلَّة .. فالمؤمن ليس مُتكبرًا ، وليس ذَليلا .. والتواضُع من خُلُق المرسلين ، وهو خُلق حميد ، وجوهر لطيف ، يستهوى القلوب ، ويستثير الإعجاب والتقدير ..
ويقول النبى ﷺ : "منْ تَواضَع لله درجة رفعهُ الله درجةً" .. ويقول ﷺ : "ما نَقَص مالٌ من صدقةٍ ، وما زاد الله رجلاً بعفوٍ إلا عِزًّا ، وما من أحد تواضع لله إلا رفعهُ الله" .. ويأمر ربنا تبارك وتعالى حبيبه المصطفى ﷺ : بالتواضع فيقول له : ﴿.. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾ الحجر . ويؤكد عليه ثانيًا بقوله : ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾ الشعراء .
والتواضُع زينة العُلماء ، والكُبراء ، وسكينة ووقار واتزان .. ويضرب لنا الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان مثلا رائعًا فى التواضُع ، رغم ما كان له من ذيوع صيت ، ورأى ثاقب ، وفقه عظيم ؛ فهو شيخ الأئمة ، وصاحب المذهب الذى اتبعه كثير من الناس ، فقد ذهب لحج بيت الله الحرام .. وبعد ما فرغ من رمى الجمرة الكبرى جلس إلى حلاق ليحلق رأسه .. فيحكى ويقول : تَعلَّمت من حجام (حلاق) بمكة خمسة أشياء من النُّسُك : إذا أردت أن أحلق رأسى ؛ فسألته عن أجره فقال : لا تشارط على النُّسُك فإن الحلق نُسكٌ .. ثم يقول أبو حنيفة فجلست إليه كيفما اتُّفق ، فقال لى : اتجه إلى القِبْلة .. فاتَّجهت إلى القبلة ، وأعطيته شِقَّ رأسى الأيسر .. فقال لى : أعطنى شِقَّ رأسك الأيمن .. فقد كان النبى ﷺ يحب التيامن فى كل شىء .. فأعطيته شقَّ رأسى الأيمن ، وجلست ساكنًا .. فقال لى : اذكر الله تعالى فإنك فى نُسكٍ .. ففعلت .. وبعد ما انتهى الحلاق من عمله قمت لأنصرف ، فقال لى : صل ركْعتين .. ففعلت .. وهكذا نجد عظمة أبى حنيفة فى تواضعه : كيف أنه لم يخجل من حكاية القصة للناس ؛ ضاربًا لهم المثل بنفسه ، مُعلما لهم كيف يكون التواضع ..
فالتواضُع صفة محمودة تدل على طهارة النفس وتدعو إلى المودة والمحبة والمساواة بين الناس ونشر الترابط ومحو الحسد والبغض والكراهية من قلوب الناس .
ومن أمثلة التواضُع فى القرآن الكريم ما حُكِى عن سُليمان (عليه السلام) .. الذى لم يكن نبيًّا فقط ، بل كان مَلكًا لم يحظ مَلكٌ فى الوجود بمثل مُلْكه .. فقد عُلِّم مَنطق الطير ، وسُخِّرت له الشياطين ، وساد الإنس والجن جميعًا فى زمانه ، وسَبَّحت بتسبيحه الجبالُ والطيور ، وسُخِّرت له الريح فكانت تحمله حيث شاء ، وتَأْتَمر بأمره .. ومع كل ذلك الجاه والسلطان .. يحكى عنه القرآن الكريم مواقف تستدعى التأمل ، منها : ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) ﴾ النمل .
وهكذا نرى كيف تواضع لله .. ولم يَستَطل بهذه النعمة ــ وهى سماعه لحديث نَملَة وهو فى هذا الحشد الهائل من الجُند ــ على أحد من رعيَّتهِ ، ولم يتباه فيحدثهم عن ذلك .. وموقف آخر له ، حيث افتقد الهُدهد ، ولم يجده فى مكانه ، من هذا الحشد الذى يصعب حصره ، فهدَّد وتوعَّد ، ولكنه فى تهديده التمس الأعذار لهذا الهُدهد ويحكى القرآن عن هذا الموقف : ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) ﴾ النمل . وكأنه احتمل أمرين : الأمر الأول أن يكون قد أخطأ رؤية الهُدهد ، والأمر الثانى أن يكون الهُدهد قد تخلَّف عن مكانه ، وغاب عنه .. فنرى أنه قدم احتمال عدم رؤيته للهدهد على الإحتمال الآخر ..
ومن مواقفه أيضا ما يحكيه القرآن عن الحوار الذى دار بينه وبين الهدهد بعد حضوره : ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) ﴾ النمل . ولا شك أن الكلام يوحى بجرأة الهُدهد ، واطمئنانه لعدل سُليمان (عليه السلام) وحِلْمه .. فَمنْ من الملوك والرؤساء يسمح لأحد من رعيته أن يقول له أحطت بما لم تُحِط به ، ، فضلاً عن رؤساء المصالح ، والهيئات ، وغيرهم .. والكلام بين الهُدهد وسُليمان (عليه السلام) تَمَّ أمام الرَّعية ــ ولو من الطيور على الأقل ــ ومع ذلك ، استمع له سُليمان (عليه السلام) حتى آخر كلامه ، ثم قال له كما يحكى القرآن : ﴿ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) ﴾ النمل . بل وقدَّم الصدق على الكذب تواضُعًا للهُدهد ، وعدم اتهامه بغير دليل .. والأعجب من كل ذلك أن يكلفه هو نفسه بالذهاب بكتابه إلى المَلِكة التى حكى عنها ، ويعود إليه بالخبر ، ولم يكلف غيره بتحرِّى صدقه ، أو صدق القصة ، فقال له كما يحكى القرآن الكريم : ﴿ اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) ﴾ النمل .
ومن مواقف سليمان (عليه السلام) أيضا ما حكاه القرآن عنه حين جاءه عرش بلقيس قبل أن يرتدَّ إليه طرفه ، حيث تواضع لله ، ولم يتكبر بهذا الإعجاز الذى لم يحدث له مثيل فى التاريخ .. وظهر تواضعه العظيم فى قوله كما حكى القرآن : ﴿ .. فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) ﴾ النمل .
وكذلك نجد يُوسف (عليه السلام) حين آتاه الله المُلك ، وجاءه إخوته الذين كادوا له ، وفعلوا به ما فعلوا !! وهُم محتاجون للطعام نجده يقول لهم كما يحكى القرآن عنه : ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) ﴾ يوسف . وحين يتم له المُلكُ ، وتُبْسط له الدنيا ، ويأتى بأبويه وإخوَته إلى رحابه يلجأ إلى ربه تبارك وتعالى ويقول : ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ﴾ يوسف .
وقد كان نبيُّنا ﷺ فى تواضعه مثلاً يُحْتذى به ، فقد كان يجالس فقراء المسلمين من أهل الصُّفَّة أمثال : بلال بن رباح ، وصُهيب الرومى ، وخبَّاب بن الأرت (رضى الله عنهم جميعا ويأكل معهم ، ويحادثهم ، ويسمع منهم ، ويأْذنُ لهم ، ولا يحتجب عنهم ، كما علمه ربه تبارك وتعالى بقوله : ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) ﴾ الكهف .
وكذلك حين بنى مسجده : كان ينقل الحجارة معهم ، ويقول أحد أصحابه : كنا نحملُ حجرًا حجرًا ، ورسولُ الله ﷺ يحمل حَجريْن حجرين .. وكذلك أثناء حفر الخندق فى غزوة الأحزاب كان ﷺ يحفر معهم يدًا بيد ، ولما كان فى سفر مرة ، وأراد الطعام ، وأتى بشاة قال بعض الأصحاب : علىَّ ذبحها وسلخُها ، وقال آخر : وأنا علىَّ تقطيعها وشيُّها ، فقال النبى ﷺ : "وأنا علىَّ جَمعُ الحَطبِ" ، فاختار ﷺ أشق الأعمال ، وكان من الممكن أن يجلس ، ويخدمه الجميع بحب وإخلاص ، وتحكى السيدة عائشة (رضى الله عنها) فتقول عنه : كانَ فى مَهْنة أَهْله ــ أى يساعد زوجاته ــ وكان يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويعلف فرسه .
وقد تأدب الأصحاب بأدبه ﷺ ، وتخلَّقوا بأخلاقه .. فمن تواضُع أبى بكر الصِّديق (رضى الله عنه) ما يُحكى عنه من أنه كان يَحلبُ الغنم لبعض جوارى المدينة ، وحين تولى الخلافة قال البنات : إذًا لا يأتينا .. وفوجئْنَ بمجِيئه لهن ــ وهو خليفة المسلمين ــ ويقول لهن : هلُمَّ هلُمَّ أحلب لكُنَّ ..
وكذلك ماروى عن تواضُع عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) وهو أمير المؤمنين وقصة رسول كسرى حين رآه فقال : حَكمْت ، فَعَدلت ، فأمِنت ؛ فَنمْتَ ..
وقد حمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) الدقيق على ظهره ، وذهب به إلى بيت امرأة لا تجد طعامًا لأطفالها اليتامى ، وأشعل النار ، وظل ينفخ حتى نضج الطعام ، ولم ينصرف حتى أكل الأطفال وشبعوا .
وما حُكى عن تواضُع أصحاب رسول الله ﷺ أكثر من أن يُحصى ، وأشهر من أن يُجهل ، ويكفى أن نذكر واحدًا منهم ألا وهو حُذيفة بن اليمان (رضى الله عنه) صاحب الفتوحات الكبرى ، وقائد الجيوش التى فتحت الكثير من بلاد فارس ، ذلك الصحابى الجليل الذى كان يُلقَّب بصاحب سِرِّ رسول الله ﷺ .. فقد ولاه عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) إمارة (المدائن) أعظم بلاد فارس ، وخرج الناس يستقبلونه ، وإذا به يدخلُ عليهم البلد بمفرده يركبُ حِمارًا ، وبيده كسرةٌ من خُبز يأكلها بِملح .. فقالوا : ماذا تأمرنا ؟ قال : أسألكم علفًا لحِمارى .. قالوا : عظنا يا صاحب رسول الله فقال : إياكم وأبواب الفتن .. قالوا : وما أبوابُ الفتن ؟ قال : أبوابُ الأمراء .. تدخُلُون عَليهم فتصدِّقُّونهم بِكذبهم ، وتمتدحُونهم بما ليس فيهم .
ويحكى أن ضيفًا نزل يومًا على الخليفة عمر بن عبد العزيز ، وأثناء جلوسهما انطفأ المصباح ، فقام الخليفة عمر بنفسه فأصلحه ، فقال له الضيف : يا أمير المؤمنين ، لِمَ لَمْ تأمرنى بذلك ، أو دعوت من يصلحه من الخدم ، فقال له الخليفة : قمتُ وأنا عمر ، ورجعتُ وأنا عمر ما نقص منى شىء ، وخير الناس عند الله من كان متواضعًا .
ولقد كان التواضع سمة رئيسية فى عُلماء السلف فلم يتكبر أحدهم بِعلمه .. وكذلك كان فى أغنيائهم فلم يتكبَّر أحدُهم بماله ، ومنهم الصحابى الجليل عبد الرحمن بن عوف (رضى الله عنه) الذى كان من أغنى أغنياء الصحابة ، وهو من العشرة المبشرين بالجنة ويقول عنه أصحابه : أهل المدينة شركاء لابن عوف فى ماله : فثلثهم يتصدق عليهم ، وثلث يقرضهم ، وثلث يهدى لهم .
وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول : "مَا ازداد عبـدٌ بِتواضُعٍ إلا رِفْعــة" .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
من كتاب أخلاقيات الإسلام
للشيخ / ياسين رشدى