دروس وعبر | جَـوانِب منْ حيـاة النَّبى ﷺ وأَقْـوال المُـسْتشرقين

جَـوانب مِنْ حَيــاةِ النَّبىّ 


  • إنَّ حياة مُحمد ﷺ إلى جانب جمالها وجلالها ، كانت فى نفس الوقت رمزًا وعِظة وعِبرة تنفع المسلمين طوال تاريخهم لو أنهم تدبروها .
  • لقد كانت عظمة مُحمد ﷺ أن استطاع خلال تلك الحقبة القصيرة من الزمن ، أن يحدث شريعة خُلقية ورُوحية واجتماعية لم يستطعها أحد فى التاريخ بمثل تلك السرعة المزهلة . 
  • لقد كان الله سبحانه وتعالى ــ قادر على أن ينصر الدعوة نصرًا مؤزرًا فى الأسابيع الأولى من الوحى ، فيؤمن أهل مكة جميعًا ، ثم يتفق العرب جميعًا على الدخول فى الإسلام .
  • ولكن الله عزَّ وجلَّ عهد بالرسالة إلى الرسول ﷺ وتركه يخوض معركته مع البشر لكى يتعلم الناس كيف يخوضون معاركهم ، وكيف يثبتون على مبادئهم لا يتحولون عنها قيد شعرة ، وكيف يعاملون الخصوم بالصبر والأناة والحلم وحسن الخلق والحجة البالغة ، وكيف يواجهون العقبات بقوة العزيمة وعمق الإيمان وثبات القلوب .
  • وفى علم الله عزَّ وجلَّ أنَّ أمة الإسلام ستلقى فى تاريخها بعد النبى ﷺ عقبات مشابهة لما واجه الرسول ﷺ ، وستجد نفسها فى نفس المواقف ، وأن السيرة النبوية ينبغى أن تكون لذلك خير معين لهم على النصر والخروج من الأزمات .
قـالـوا عن مـحمـد ﷺ :
قال المؤرخ العراقى أحمد سوسة المهندس اليهودى الذى اعتنق الإسلام  : 
  1. " .. كان مُحمدًا ﷺ أنموذجًا للحياة الإنسانية بسيرته وصدق إيمانه وروسوخ عقيدته القويمة ، بل مثالاً كاملاً للأمانة والإستقامة ، وإن تضحياته فى سبيل بث رسالته الإلهية خير دليل على سمو ذاته ، ونبل مقصده ، وعظمة شخصه ، وقدسية نبوته" . 
  2. "إن التـاريخ ينبـؤنا أن محـمـدًا  ضحى بكل شىء من أجل رسالته ، إذ أتيحت له مرات فرصة الإختيار بين أمرين : أولهما : حياة راحة وهناء وغنى على أن ينبذ "دعوته" . وثانيهما : حياة عسر واضطهاد مقرونة بنشر رسالته ، وقد فضل الأمر الثانى ؛ لأن إيمانه برسالته كان قويًا وكان قد أُوحى إليه بأنه قد اختاره ربه لبث هذه الرسالة إلى الإنسـانية جمعاء ، فكان ما أراد الله له" .
قال المستشرق والمؤرخ الفرنسى لويس سيديو صاحب كتاب "خلاصة تاريخ العرب"  : 
  1. " .. ما أكثر ما عرَّض مُحمد ﷺ حياته للخطر انتصارًا لدعوته فى عهده الأول بمكة ، وهو لم ينفك عن القتال فى واقعة (أحد ) ، حتى بعد أن جُرح جبينه وخده وسقطت ثُنيتاه .. وهو قد أوجب النصر بصوته ومثاله فى معركة (حنين) ، ومن الحق أن عرف العالم كيف يحيى قوة إرادته ومتانة خلقه .. وبساطته ، ومن يجهل أنه لم يعدل ، إلى آخر عمره ، عما يفرضه فقر البادية على سكانها من طراز حياة وشظف عيش ؟ وهو لم ينتحل أوضاع الأمراء قط مع ما ناله من غِنى وجاه عريض .. وكان ﷺ حليمًا معتدلاً ، وكان يأتى بالفقراء إلى بيته ليقاسمهم طعامه ، وكان لا يضج من طول الحديث ، وكان لا يتكلم إلا قليلاً ، فلا ينَّم ما يقول على كبرياء أو استعلاء ، وكان يوحى فى كل مرة باحترام القوم له .. ودل ﷺ على أنه سياسى محنَّك .. " .
  2. "لقد حلَّ الوقت الذى توجه فيه الأنظار إلى تاريخ تلك الأمـة ، التى كانت مجهـولة الأمر فى زاوية من آسيـة ، فارتقت إلى أعلى مقـام فطبق اسمها آفاق الدنيـا مدة سـبعة قرون ، ومصدر هذه المعجزة ، هو رجـل واحـد ، هو مـحمـد  .."
    قال المستشرق والسياسى الفرنسى هنرى سيروى
    1. "مـحمـد  لم يغرس فى نفوس الأعراب مبـدأ التوحيـد فقط ، بل غـرس فيها أيضًا المدنـية والأدب" .
    2. كان مُحمد ﷺ شخصية تاريخية حقة ، فلولاه ما استطاع الإسلام أن يمتد ويزداد ، ولم يتوان فى ترديد أنه بشر مثل الآخـرين مآله الموت ، وبأنه يطلب العفـو والمغفرة من الله عـزَّ وجـلَّ ، وقبل مماته أراد أن يُطهر ضميره من كل هفوة أتاها ، فوقف على المنبر مخـاطبًـا : أيها المسلمون ، إذا كنت ضربت أحدًا فهاكم ظهرى فليأخذ ثأره ، أو سلبته مالاً فمالى ملكه . فوقف رجل معلنًا أنه يدينه بثلاثة دراهم ، فرد الرسول ﷺ قائلا : أن يشعر الإنسان بالخجل فى دنياه خير من آخرته . ودفع للرجل دينه فى التو . وهذا التذوق والإحساس البالغ لفهم مـحمـد  لدوره كنَبى يرينا بأن "رينان" كان على غير حق فى نعته العرب قبل الإسلام بأنها أمَّة كانت تحيا بين براثن الجهل والخرافات .."
    قال المستشرق النمساوى ليوبولد فايس يهودى الأصل صاحب كتاب "الطريق إلى مكة" :  
    1. "إن العمل بالسُّنَّة يجعل كل شىء فى حياتنا اليومية مبنيًا على الإقتداء بما فعله الرسول ﷺ وهكذا نكون دائمًا ، إذا فعلنا أو تركنا ذلك ، مجبرين على أن نفكر بأعمال الرسول ﷺ وأقواله المماثلة لأعمالنا هذه وعلى هذا تصبح  شخصية أعظم رجل متغلغلة إلى حد بعيد فى منهاج حياتنا اليومية نفسه ، ويكون نفوذه الروحى قد أصبح العامل الحقيقى الذى يعتادنا طوال الحياة .." .
    2. "إن العمل بسُنة رسول الله  هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه ، وإن ترك السُّنة هو انحلال الإسلام . لقد كانت السُّنة الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام ، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما ، أفيدْهِشُك أن يتقوض ذلك البناء ، كأنه بيت من ورق ؟" .
    3. "إن السُّنَّة هى المثال الذى أقامه لنا الرسول ﷺ من أعماله وأقواله . إن حياته العجيبة كانت تمثيلاً حيًا وتفسيرًا لما جاء فى القرآن الكريم ، ولا يمكننا أن ننصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتبع الذى قد بلّغ الوحى" . 
    قال الكاتب والمؤرخ الإنجليزى توماس كارلايل
    1. "لوحظ على مُـحـمـد ﷺ منذ ــ صباه ــ أنه كان شابًا مفكرًا وقد سمَّاه رفقاؤه الأمين ــ رجل الصدق والوفاء ــ الصدق فى أفعاله وأقواله وأفكاره . وقد لوحظ أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة . وإنى لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام ، فإذا نطق فما شئت من لبّ .. وقد رأيناه طول حياته رجلاً راسخ المبدأ صارم العزم ، بعيد الهم كريمًا برًا رؤوفًا تقيًا فاضلاً حرًا ، رجلاً شديد الجد مخلصًا ، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة ، جم البِشْر والطلاقة حميد العِشْرة حلو الإيناس ، بل ربما مازح وداعب ، وكان على كل العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق .. وكان ذكى اللُّب ، شهم الفؤاد عظيمًا بفطرته ، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم وهو غنى عن ذلك .. فأدى عمله فى الحياة وحده فى أعماق الصحراء " .
    2. "هل رأيتم قط .. أن رجلاً كاذبًا يستطيع أن يوجد دينًا عجبًا .. إنه لا يقدر أن يبنى بيتًـا من الطوب ! فهو إذًا لم يكن عليمًا بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك فما ذلك الذى يبنيه ببـيت وإنما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد ، وليس جديرًا أن يبقى على دعائمه اثنى عشـر قرنًا يسكنه مائتا مليون من الأنفس ، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن . وإنى لأعلم أن على المرء أن يسير فى جميع أموره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلبته .. كذب ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتى تخيّلوه حقًا .. ومحنة أن ينخدع الناس شعوبًا وأممًا بهذه الأضاليل .." 
    قالت الكاتبة البريطانية ايقلين كوبولد وهى ابنة طبقة النبلاء التى تحولت للإسلام :
    1. " لقد استطاع مُـحـمـد ﷺ  القيام بالمعجزات والعجائب ، لما تمكن من حمل هذه الأمة العربية الشديدة العنيدة على نبذ الأصنام وقبول الوحدانية الإلهية ، لقد وفق إلى خلق العرب خلقًا جديدًا ونقلهم من الظلمات إلى النور " .
    2.  "مع أن مُحمدا ﷺ كان سيِّد الجزيرة العربية ، فإنه لم يفكر فى الألقاب ، ولا راح يعمل لاستثمارها ، بل ظل على حاله مكتفيًا بأنه رسول الله ، وأنه خادم المسلمين ، ينظف بيته بنفسه ويصلح حذاءه بيده ، كريمًا بارًا كأنه الريح السارية ، لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه ، وما لديه كان فى أكثر الأحايين قليلاً لا يكاد يكفيه" . 
    3. "كان العرب قبل مـحـمـد ﷺ أُمَّة لا شأن لها ولا أهمية لقبائلها ولا لجماعتها ، فلما جاء محمد ﷺ بعث هذه الامة بعثًا جديدًا يصح أن يكون أقرب إلى المعجزات فغلبـت العالم وحكمت فيه آجالاً وآجالاً .." .
    4. "هذه هى مدينة رسول الله ﷺ ، تعيد إلى نفسى ذكرى جهوده فى سبيل لا إله إلا الله ، وتلقى فى روعى صبره على المكـاره واحتمـاله للأذى فى سبيل الوحدانيـة الإلهية" .
    5. " .. لعمرى ، ليجدن المرء فى نفسه ، ما تقدم إلى قبر الرسول ﷺ روعة ما يستطيع لها تفسيرًا ، وهى روعة تملأ النفس اضطرابًا وذهولاً ورجاء وخوفًا وأملاً ، ذلك أنه أمام نبى مرسل وعبقرى عظيم لم تلـد مثله البطون حتى اليوم ، إن العظمة والعبقرية يهزان القلوب ويثيران الأفئدة فما بالك بالعظمة إذا انتظمت مع النبوة ، وما بالك بها وقد راحت تضحى بكل شىء فى الحيـاة فى سبيـل الإنسانية وخير البشرية" .
    قال الباحث الإنجليزى لايتنر والذى حصل على أكثر من شهادة دكتوراة فى الشريعة والفلسفة واللاهود وطاف بعدد من البلاد الإسلامية والتقى برجالاتها وعلمائها
    1. ".. لما بلغ مُحمد ﷺ السنة الخامسة والعشرين من العمر تزوج امرأة عمرها أربعين عامًا ، وهى تشابه امرأة عمرها خمسين عامًا فى أوربا ، وهى أول من آمن برسالته المقدسة ، وبقيت خديجة (رضى الله عنها) معه عشرين عامًا لم يتزوج عليها قط حتى ماتت (رضى الله عنها) ولما بلغ من العمر خمسًا وخمسين سنة صار يتزوج الواحدة بعد الأخرى ، لكن ليس من الإستقامة والصدق أن ننسب ما لا يليق لرجل عظيم صرف كل ذاك العمر بالطهارة والعفاف ، فلا ريب أن لزواجه بسن الكبر أسبابًا حقيقية غير التى يتشدق بها كُتَّاب النَّصارى بهذا الخصوص ، وماهى تلك الأسباب يا ترى ؟ ولا ريب هى شفقته على نساء أصحابه الذين قتلوا . 
    2. ".. مرة أوحى الله تعالى إلى النبى ﷺ وحيًا شديد المؤاخذة لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلاً غنيًا من ذوى النفوذ ، وقد نشر ذاك الوحى ، فلو كان ﷺ كما يقول أغبياء النصارى بحقه لما كان لذاك الوحى من وجود" .
    3. ".. إنى لأجهر برجائى بمجىء اليوم الذى به يحتـرم النَّصارى المسـيح (عليه السلام) احترامًا عظيمًا وذلك باحترامهم محمدًا  ، ولا ريب فى أن المسيحى المعترف برسالة محمد  وبالحق الذى جاء به هو المسيحى الصادق .
    قال المستشرق الأمريكى واشنجتون ايرفنج الكاتب والمؤرخ
    1. "كان مـحمـد  خاتم النـبـيين وأعظم الرسل الذين بعثهم الله ليدعو الناس إلى عبادة الله" .
    2. "كانت تصرفات الرسول ﷺ فى أعقاب فتح مكة تدل على أنه نبى مُرسل لا على أنه قائد مظفر . فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح فى مركز قوى . ولكنه توج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو" .
    3. "لقى الرسول ﷺ من أجل نشر الإسلام كثيرًا من العناء ، وبذل عدة تضحيات . فقد شك الكثير فى صدق دعوته ، وظل عدة سنوات دون أن ينال نجاحًا كبيرًا ، وتعرض خلال إبلاغ الوحى إلى الإهانات والاعتداءات والاضطهادات ، بل اضطر إلى أن يترك وطنه ويبحث عن مكان يهاجر إليه هنا وهناك وتخلى عن كل مُتع الحياة وعن السعى وراء الثراء من أجل نشر العقيدة " .
    4. "برغم انتصارات الرسول ﷺ العسكرية لم تثر هذه الإنتصارات كبرياءه أو غروره ، فقد كان يحارب من أجل الإسلام لا من أجل مصلحة شخصية ، وحتى فى أوج مجده حافظ الرسول ﷺ على بساطته وتواضعه ، فكان يكره إذا دخل حجرة على جماعة أن يقوموا له أو يبالغوا فى الترحيب به وإن كان قد هدف إلى تكوين دولة عظيمة ، فإنها كانت دولة الإسلام ، وقد حكم فيها بالعدل ، ولم يفكر أن يجعل الحكم فيها وراثيًا لأسرته" .
    5. "كان الرسول ﷺ ينفق ما يحصل من جزية أو ما يقع فى يديه من غنائم فى سبيل انتصار الإسلام ، وفى معاونة فقراء المسلمين ، وكثيرًا ما كان ينفق فى سبيل ذلك آخر درهم فيبيت المال .. وهو لم يخلف وراءه دينارًا أو درهمًا أو رقيقًا .. وقد خيره الله بين مفاتيح كنوز الأرض فى الدنيا وبين الآخرة فاختار الآخرة" .
    قال المحامى البريطانى عبد الله لويليام وهو من أصل  بروتستانتى وهو أول من أنشا أول مسجدا فى بريطانيا فى عام 1886م :
    1. كان مُحمد ﷺ على أعظم ما يكون من كريم الطباع وشريف الأخلاق ومنتهى الحياء وشدة الإحساس ، وكان حائزًا لقوة إدراك عجيبة وذكاء مفرط وعواطف رقيقة شريفة ، وكان على خلق عظيم وشيم مرضية مطبوعًا على الإحساس .." .
    2. ".. مااهتدى مئات الملايين إلى الإسلام إلا ببركة مُحمد ﷺ الذى علَّمَهُم الركوع والسجود لله وأبقى لهم دستورًا لن يضلوا بعده أبدًا وهو القرآن الجامع لمصالح دنياهم ولخير أخراهم .."
    3. "لما شرف مُحمد ﷺ ساحة عالم الشهود بوجوده الذى هو الواسطة العظمى والوسيلة الكبرى إلى اعتلاء النوع الإنسانى وترقيه فى درجات المدنية أكمل ما يحتاجه البشر من اللوازم الضرورية على نهج مشروع وأوصل الخلق إلى أقصى مراتب السعادة بسرعة خارقة ، ومن نظر بعين البصيرة فى حال الأنام قبله ﷺ وما كانوا عليه من الضلالة ، ونظر فى حالهم بعد ذلك وما حصل لهم فى عصره من الترقى العظيم رأى بين الحالين فرقًا عظيمًا كما بين الثريا والثرى" .
    4. ".. امتدت أنوار المدنيـة بعد محمد  فى قليل من الزمـان ساطعة فى أقطار الأرض من المشرق إلى المغرب حتى إن وصول أتباعه فى ذلك الزمن اليسير إلى تلك المرتبة العلية من المدنية قد حيّر عقول أولى الألباب ، وما السبب فى ذلك إلا كون أوامره ونواهيه موافقة لموجب العقل ومطابقة لمقتضى الحكمة" .
    قالت المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاغليرى صاحبة كتاب "دفاع عن الإسلام" :
    1. "كان محمـد  المتمسك دائمًا بالمبادئ الإلهية ، شديد التسـامح ، بخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة ، لقد عرف كيف يتذرع بالصبـر مع الوثنيـيـن ، مصطنعًا الأناة دائمًا ، اعتقادًا منه بأن الزمن سـوف يتم عــمله الهـادف إلى هدايتهم وإخـراجهم من الظلام إلى النور .. لقد عرف جيـدًا أن الله لابد أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشرى" .
    2. "دعا الرسول العربى  بصوت ملهم باتصال عمـيق بربه ، دعـا عبــدة الأوثان وأتباع نصرانيـة ويهـودية محرفتـين إلى أصفى عقيدة توحـيـدية ، وارتضى أن يخوض صراعًا مكشوفًا مع بعض نزعات البشر الرجعية التى تقود المرء إلى أن يشـرك بالخالق آلهة أخرى" .
    3. "حاول أقوى أعداء الإسلام ، وقد أعماهم الحقـد ، أن يرموا نبى الله  ببعض التهم المفتراة ، لقد نسوا أن محمدًا كان قبل أن يستهل موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته ، ومن العجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل كيف جاز أن يقوى محمد  على تهديد الكاذبين والمرائين ، فى بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية ، لو كان هو قبل ذلك " وحاشاه" رجلاً كـذابًا ؟ كيف جرؤ على التبشير ، على الرغم من إهانات مواطنيه ، إذا لم يكـن ثمة قـوى داخلية تحثه ، وهو الرجل ذو الفطرة البـسيطة ، حثًا موصولاً ؟ كيف استطاع أن يستهل صراعًا كان يبدو يائسًـا ؟ كـيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشـر سنوات ، فى مكة ، فى نجاح قليل جدًا ، وفى أحزان لا تحصى إذا لم يكـن مـؤمنًا إيمانًا عميقًا بصدق رسالته ؟ كـيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكـبير من المسلمين النبلاء والأذكياء ، وأن يؤازروه ، ويدخلوا فى الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالى إلى مجتمع مؤلف فى كثرته من الأرقاء ، والعتقاء ، والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا فى كلمته حرارة الصدق ؟ ولـسنا فى حـاجـة إلى أن نقـول أكثر من ذلك ، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمد  كان عميقًا وأكيدًا" .
    قال رود بارت عالم ألمانى معاصر كرس حياته لدراسة علوم العربية والإسلام ، وصنف فيها عددا كبيرا من الأعمال ، منها ترجمته للقرآن الكريم التى استغرقت منه عشرات السنين :
    1. "كان من بين ممثلى حركة التنوير من رأوا فى النـبـى العـربى  أداة لله ، ومشرعًا حكيمًا ، ورسولاً للفضيلة ، وناطقًا بكلمة الدين الطبيعى الفطرى ، مبشرًا به" .
    2. "كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة فى بوادى وواحات شـبه الجزيرة ، يعـيشون فيها فسادًا . حتى جاء مـحمـد  ودعـاهم إلى الإيمان بإله واحـد ، خالق بارىء ، وجمعهم فى كيان واحد متجانس" .
    قال ادوار بروى باحث فرنسى معاصر ، وأستاذ فى السربون : "جاء محمد بن عبد الله  ، النبى العربى وخاتمة النبيين ، يبشر العرب والناس أجمعين ، بدين جديد ، ويدعو للقول بالله الواحد الأحد ، كانت الشـريعة "فى دعوته" لا تختلف عن العقـيدة أو الإيمان ، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة ، تضبط ليس الأمور الدينية فحسب ، بل أيضا الأمور الدنيوية فتفرض على المسلم الزكاة ، والجهاد ضد المشركين .. ونشر الدين الحنيف .. وعندما قبض النبى العربى  ، عام 632 ميلادية ، كان قد انتهى من دعوته ، كما انتهى من وضع نظام اجتماعى يسمو كثيرًا فوق النظـام القبـلى الذى كان عليه العرب قبل الإسلام ، وصهرهم فى وحدة قوية ، وهكذا تم للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة ، لم تعرف مثلها من قبل" .
    قال مارسيل بــوازار المفكر ورجل قانون فرنسى معاصر و أستاذ جامعة سويسرى عاش أكثر من اثنى عشر عاما فى بلاد عربية واسلامية :
    1. "لم يكن محمد  على الصعيد التاريخى مبشرًا بدين وحسب بل كان كذلك مؤسس سياسة غيرت مجرى التاريخ ، وأثرت فى تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق" .
    2. "لقد كان محمد  نبيـًا  مصـلحًا اجتماعيًا . وأحدثت رسالته فى المجتمع العربى القائم آنذاك تغييرات أساسية ما تزال أثارها ماثلة فى المجتمع الإسلامى المعاصر" .
    3. "مما لا ريب فيه أن مـحمـدًا  قد اعتبر ، بل كان فى الواقع ، ثائرًا فى النطاق الذى كان فيه كل نبى ثائرًا بوصفه نـبـيـًا ، أى بمحاولته تغيير المحيط الذى يعيش فيه" .

    أكمل إنسان فى الوجود } :
    يتحدث المفكر الإسلامى الدكتور محمد عمارة عن النبى ﷺ فيقول :
    • هو : أبو القاسم ، مُحمد ﷺ ابن عبد الله ابن عبد المطلب ابن هاشم ، من قريش يتصل نسبه الشريف إلى عدنان ، من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل (عليه السلام) ، وأمه آمنة بنت وهب القرشية الزُّهرية ، ولد بمكة فى يوم الإثنين من ربيع الأول ، وأرضعته - بالبادية - حليمة السعدية ، من بنى سعد بن بكر بن هوازن .
    • نشأ يتيمًا ؛ فلقد مات أبوه عبد الله قبل أن يولد ؛ فاحتضنته أمه آمنة إلى أن تُوفيت ، وهو فى السادسة من عمره ، فكفله جده عبد المطلب ، إلى أن مات - وهو فى الثامنة من عمره - فكفله عمه أبو طالب .
    • شب كامل العقل ، صادقًا أمينًا ، شجاعًا ، فاضل الأخلاق ، حتى لقَّبه قومه - واشتهر بينهم - بالصادق الأمين . شارك فى عقد "حلف الفضول" الذى قام بمكة لنُصرة المظلومين ، وأَخْذ حقوق الضعفاء من الأقوياء . اشتغل برعى الغنم حينًا ، ثم بالتجارة ، وسافر إلى الشام فى تجارة للسيدة خديجة بنت خويلد الأسدية القرشية .
    • فى الخامسة والعشرين من عمره تزوج من السيدة خديجة (رضى الله عنها) ، وأنجب منها كل أولاده الذكور والإناث باستثناء إبراهيم الذى رزق من السيدة مارية ، ومات طفلا ، ولم يعش بعده من أولاده سوى ابنته فاطمة التى تزوجت من ابن عمه علىّ بن أبى طالب وأنجبت الحَسن والحُسين .
    • لم يعبد صنمًا منذ نشأ ، وكان يميل إلى التأمل ؛ بحثًا عن الحقيقة ، ثم أخذ يخلو إلى نفسه شهر رمضان من كل عام ، فى غار حراء - بمكة - يتحنث (يتعبد) فيه تعبد الحنفاء ببقايا شريعة إبراهيم الخليل (عليه السلام) ، وبينما هو فى الغار فى شهر رمضان جاءه الوحى من الله بالنُّبوة الخاتمة ، والرسالة الخالدة ؛ فأخذ يدعو المقربين منه إلى الإسلام سرًا ، ثلاث سنوات فأمن به نفر قليل ، ثم جهر بالدعوة إلى الإسلام .
    •  نزل عليه القرآن مُنَجَّمًا (مفرقًا) ، وكان كُتَّاب الوحى يكتبونه ويحفظونه ، وهو معجزته التى تحدى بها قومه والإنس والجن أن يأتوا بشىء من مثله . 
    • أصابه الأذى - هو وأصحابه من مشركى قريش وأغنيائها ؛ فصبروا وصابروا ، وحاصرته قريش - مع من آمن به - فى شعب بنى هاشم ثلاث سنوات وقاطعوهم اقتصاديًا واجتماعيًا ، حتى كادوا أن يُهلكوا جوعًا ؛ فأذن لبعض أصحابه - من الرجال والنساء - بالهجرة - مرتين - إلى الحبشة ، وأخذ يعرض نفسه ، ودعوته على القبائل ؛ طلبًا للحماية ، والإيمان ، وكسر الحصار .
    • لمَّا استجاب نفر من يثرب (المدينة المنورة) من قبيلتى الأوس والخزرج لدعوة الإسلام ، ثم عادوا فى العام التالى فتعاقدوا معه ﷺ - عند العقبة - على تأسيس الدولة الإسلامية الأولى - بالمدينة - وبدأ أصحابه فى الهجرة إليها .
    • هاجر بصحبة أبى بكر الصديق من مكة إلى المدينة فدخلها فى يوم الإثنين من ربيع الأول فأقام مسجد النبوة ووضع "الصحيفة -الكتاب" دستورا للدولة الإسلامية الأولى . لاحقته قريش بالعداء والعدوان ؛ فأذن الله سبحانه وتعالى له ولأصحابه بالقتال دفاعًا عن حرية العقيدة والدعوة ، ودفاعًا عن وطن الإسلام ودولته ، يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ  .. (40) ﴾ الحج . 
    • وفى سبيل حماية الدين ، والدولة ، والوطن ؛ وفى سبيل تحرير الشرق من استعمار الرومان وقهرهم ؛ كانت غزواته الثمانية والعشرون ، وبها انتصر الإسلام على الشرك والوثنية ، وعلى تحالف اليهود مع الوثنية ؛ وتوحد العرب فى دولتهم الإسلامية -لأول مرة فى التاريخ - ودخل الناس فى دين الله أفواجًا ، وبدأت الدعوة إلى الإسلام تتعدى شبه الجزيرة العربية إلى جوارها ومحيطها .
    • وفى شهر ذى القعدة من السنة العاشرة من الهجرة خرج حاجًّا وخطب على - جبل عرفات - حجة الوداع وكانت أطول خطبة ، والتى قنَّن فيها الحقوق المدنية ، والدينية للإنسانية جمعاء ثم عاد إلى المدينة المنورة .
    • كان خطيبًا ، أوتى جوامع الكلم ، إذا خطب - فى نهى أو زجر- احمرت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه ؛ كأنه مُنذر بقتال ، وإذا خطب فى الحرب اعتمد على قوس ، وإذ خطب فى السِّلْم اعتمد على عصا .
    • وكان مُحدثا ، حلو المنطق ، فى كلامه ترتيل وترسيل ، وإذا تكلم تبسَّم ، وكان متواضعًا ، يجلس ويأكل على الأرض ، ويخيط ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم أهله ، ويلبى دعوة الفقير ، والرقيق إلى خبز الشعير ، ويجالس المساكين .
    • كان طويل الصمت ، قليل الضحك ، وإذا ضحك وضع يده على فمه ، يمزح - قليلا - ولا يقول إلا حقًا ، وإذا مزح غض بصره . وكان شديد الحياء ، إذا صافحه أحد لا يترك يده حتى يكون المصافح هو الذى يترك يده .
    • ضخم الرأس ، واليدين ، والقدمين ، ربعة - ليس بالطويل ولا بالقصير واسع الجبين ، سَبْط الشعر (مرسله) ، فى وجهه تدوير ، وميل إلى الحُمرة ، كث اللحية ، عظم الفم ، فى أسنانه تفليج وتفريق ، عيناه سودوان ، يرسل شعره إلى أنصاف أذنيه ، أذهر اللون ، ضخم رءوس العظام ، يلبس قلنسوة بيضاء ، يمسح رأسه ولحيته بالمسك . وإذا مشى لم يلتفت ، وإذا التفت التفت جميعًا ، يتكفأ فى مشيته كأنما ينحدر من علٍ ، وإذا اهتم لأمر أكثر من مس لحيته .
    • وكان شجاعًا بطلا ، إذا حمى وطيس الحرب احتمى به أصحابه ، وإذا اشتد بأسها كان أقرب أصحابه إلى الأعداء .
    • وكان يقف بين يدى مولاه - بقيام الليل - حتى تتورم قدماه ، رفيقًا بالإنسان ، والحيوان ، والنبات ، والجماد . وكان عاشقًا للجمال فى الكون ، وللطيب ، ولا يصد نفسه عن طيبات الحياة وزينتها .
    • وصف نفسه فقال : "أدَّبنى ربى فَأَحسن تأديبى"، ووصفته زوجه السيدة عائشة فقالت : "كان خلقه القرآن" ، ووصفه الله سبحانه وتعالى فقال : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ﴾ القلم .
    • وفى طريق الهجرة من مكَّة إلى المدينة مرَّ بخيمتى أُمِّ مِعْبدٍ الخُزاعيَّة ــ وكانت امرأة برْزةً جَلْدة(1)  تَحْتَبِى(2)  بفناء الخيمة ، ثم تُطْعمُ وتَسْقى مَنْ مرَّ بها ــ فسألها هل عندها شىء .. فقالت : و الله لو كان عنْدنا شىءٌ ما أعوزكم القِرَى(3) والشاءُ عَازبٌ(4)  وكانت سنةً شهْبَاءَ(5) . فنظر إلى شاة فى كسر الخيمة(6)  فقال : ما هذه الشاة يا أُمَّ مِعْبد ؟ قالت : شاةٌ خلَّفَهَا الجَهْدُ(7) عن الغَنم .. فقال : هلْ بها من لَبَنٍ ؟ .. قالت : هى أجْهدُ منْ ذلك فقال : أَتأْذَنِينَ لى أَنْ أَحْلِبَهَا ؟ قالت : نعمْ بِأبِى وأُمِّى إنْ رأَيْتَ بها حَلْبًا فَاحْلِبَهَا .. فَمسَحَ بِيَده ضَرْعها وسمَّى الله ودَعَا فتفَاجَّت(8) عَليْه ودرَّتْ .. فدَعَا بِإناء لَهَا يَرْبضُ الرَّهْطَ(9) فَحَلبَ فيهِ حتَّى عَلتْهُ الرَّغْوةُ ، فَسَقَاهَا ، فَشَرِبتْ حتَّى رَوِيتْ ، وسَقَى أَصْحَابهُ حتَّى رَوُوا ، ثُمَّ شَرِبَ وحَلَبَ فيه ثانيًا حتَّى ملأ الإناء ثُمَّ غَادَرهُ عِنْدهَا .. فَارْتَحلُوا .. 
    • فَقلَّما لَبِثتْ أنْ جَاءَ زَوْجُها أبو مِعْبدٍ يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا يَتَساوَكْنَ هُزالاً(10) .. فلمَّا رَأى اللَّبَنَ عَجِبَ ، فقال : مِنْ أيْنَ لَكِ هَذَا والشاةُ عَازِبٌ ، ولا حَلُوبةَ فى البَيْت ؟ فقالت : لا و الله إلاَّ أنَّه مرَّ بِنَا رَجلٌ مُبارَكٌ كَانَ مِنْ حَدِيثهِ كَيْت وكَيْت ، ومِنْ حَالهِ كذا وكذا .. قال : و الله إنى لأَرَاهُ صَاحِبَ قُريْشٍ الذى تَطْلُبُه .. صِفِيه لى يَا أُمَّ مِعْبدٍ ، قالت
    • ظَاهِرُ الوَضَاءَةِ(11) ، أبْلجُ الوَجْـهِ(12) ، حَسَنُ الخَلْقِ ، لَمْ تُعِبْهُ نَجْلةٌ(13) ، ولَمْ تُزْرِهِ صَعْلَةٌ(14) ، وَسيـمٌ قَسِيـمٌ(15) ، فِى عَيْنيْـه دَعَجٌ(16) ، وفِى أشْعَارِهِ وَطْفٌ(17) ، وفِى صَوْتِهِ صَحْلٌ(18) ، وفِى عُنُقِهِ سَطْـحٌ(19) ، أَحْورُ(20) ، أَكْحَلُ(21) ، أَزَجُّ(22) ، أَقْـرَنُ(23) ، شَدِيدُ سَوادِ الشَّعْرِ ،  إِذَا صَمتَ عَلاهُ الوَقَارُ ، وإن تَكلَّم علاه البَهاءُ(24) ، أَجْملُ النَّاسِ وأبْهَاهُمْ مِنْ بَعيدٍ ، وأَحْسنُهُ وأحْلاَهُ مِنْ قَريبٍ ، حُلْوُ المَنْطِـقِ(25) ، فَضْلٌ(26) ، لانَـزَرٌ(27) ، ولا هَـذَرٌ(28) ، كَـأَنَّ مَنْطِقَـهُ خَرَزَاتٌ نُظِمْـنَ(29) يَتَحـدَّرْنَ ، رَبْعـةٌ(30) ، لا تَقْحَمُهُ(31) عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ ، ولا تَشْنَؤُهُ(32) مِنْ طُولٍ ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ فَهُوَ أنْضَرُ الثَّلاثَةِ مَنْظرًا ، وأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا ، لهُ رُفَقَاءُ يَحفُّون بِهِ(33)  ، إذا قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلهِ ، وإِذا أَمَرَ تَبادَرُوا إلَى أَمْرِهِ(34) ، مَحْفُودٌ(35) مَحْشُودٌ(36) لاعَابِسٌ(37) ولا مُفَنَّدٌ(38)(39)
    • (1) قوية شديدة  (2) تجلس   (3) ما يقدم للضيف   (4) لم يطرقها ذكر   (5) شديدة القحط   (6) جانبها   (7) التعب والجوع   (8) اندفع اللبن من ضرعها   (9) يكفى الجماعة من الناس  (10) تلتف أرجلها من الضعف  (11) نظافة المظهر  (12) مُنير  (13) طول شقِّ العين  (14) صغر الرأس بالنسبة للجسم   (15) جميلٌ وقَسماتُ وجهه مُتناسقة مُتساوية   (16) إنسان عينيه شديد السَّواد   (17) شعره كثيف   (18) جمال ووضوح   (19) استواء  (20) شديد سواد إنسان العين مع شدة بياضها  (21) جُفُون العين مكحُولة بالخِلْقة  (22) الحواجب مُقوَّسة   (23) مُتَّصلُ الحواجب  (24) الرَّونق  (25) حُلو الأسلوب  (26) كلامه ما قلَّ ودلَّ   (27) تافه   (28) هذيان   (29) كعِقْدٍ منْظُوم ليس بِسُرْعة ولا بطء أى على درجةٍ واحِدة    (30) بين الطَّويل والقصير معتدل القَوام   (31) لا تتجاوزه عَيْنٌ   (32) لا ترتفع العين للنظر إليه من طول   (33) يُحيطُون به   (34) أسْرعوا إلى تَلْبية كلامه وأوامره   (35) تَحسُّ بِعظَمَته وهيبته   (36) تحْتشِد له الناس   (37) وجهه بَشُوشٌ   (38) لا يُخطَّأ كلامه   (39) رواه ابن القيم فى : "زاد العاد فى هدى خير العباد" .

    يوم من حياة  رسول البشرية ﷺ } :
    يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالى عن النبى ﷺ :
    • عندما يستيقظ  من نومه قبل الفجر بيقين ، وظلمة الليل لا تزال مخيمة على كل شىء ، ومع طلائع الصبح المقبل كان يقول : "الحمد لله الذى رد إلى روحى ، وعافانى فى جسدى ، وأذن لى بذكره" ، انظر كيف يستقبل الحياة بترحاب وتفاؤل : "الحمد لله الذى رد إلى روحى" .
    • إن العمر الذى ملكناه نعمة نحمد الله عليها ، وينبغى أن نحسن استغلالها . إن الحياة فرصة النجاح لمن أراد النجاح ، ولذلك امتن الله بالشروق والغروب على عباده ، يقول عزَّ وجلَّ : ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ﴾ غافر .
    • يبدأ العبد الشكور بذكر ربه بكلمات يقطر اليقين والحب من كل حرف فيها ، يقولها فى الصباح والمساء على سواء : "اللَّهُم إنِّى أَسْألُك العَافية فى الدُّنيا والآخرة . اللَّهم أَسْألُك العفو والعَافية فى دينى ودنياى وأهلى ومَالى اللَّهم استر عوراتى وآمن روعاتى ، اللَّهم احفظنى منْ بين يدى ومِنْ خلفى وعن يمينى ، وعن شِمالى ، ومن فوقى ، وأَعوذ بِعظمتك أن أُغتال من تَحْتى" . 
    • قال أبو بكر الصديق (رضى الله عنه)  قال رسول الله ﷺ لى : "قل إذا أَصبحت وإذا أَمْسيت : اللَّهم عالم الغيب والشهادة ، فاطر السماوات والأرض ، رب كل شىء ومليكه ، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شَر نفسى ، وشر الشيطان وشِرْكه  " وفى رواية : "وأن أقترف على نفسى سُوءًا ، أو أجره على مُسلم" .
    • ومع طلائع اليوم المقبل يقول الرسول الكريم هو وأصحابه : "أصْبَحنا على فِطرة الإسلام وكلمة الإخْلاص ، وعلى دين نبينا مُحمد ، وعلى مِلَّة أبينا إبراهيم حنيفا ، وما كان من المشركين" . وإقرار الأصحاب والأتباع أنهم على دين نبيهم مُحمد ظاهر ، فما معنى أن يقول ذلك النَّبى نفسه ، لقد تكرر فى أدعية كثيرة أن يشهد الرسول لنفسه بالنُّبوة ، أو بأن مُحمدًا حق . 
    • ويرى من العلماء أن ذلك لمقاصد حسنة منها : أنه أول ملتزم بتنفيذ ما جاء به ، فكثير من أهل الدين ورؤسائه يحسبون الدين بلاغًا للآخرين وتكليفًا .. أما هم فوق المُساءلة . ومنها استشعار نعمة الله على صاحب الرسالة ، وإبراز الرضا والسعادة بها شكرا لله الذى اصطفى .
    • وقد كان القلب الشريف يجيش بمشاعر التقدير والإعظام لفضل الله منذ يصبح ، ويترجم عن ذلك بكلمات رائقة : "اللَّهُم مَا أصْبح بِى من نِعمة أو بأَحد من خلقك فَمنك وحدك لا شريكَ لك ، فلكَ الحَمد ، ولك الشُّكر" . "اللُّهُم إنى أَصْبحتُ منك فى نعمة وعافية وسِتْر ، فأتمم نعمتك علىَّ وعافيتكَ ، وسِترك فى الدنيا والآخرة" .
    • وعن أبى مالك الأشعرى أن رسول الله ﷺ قال : "إذا أَصبح أحدكم فليقل : أصْبَحنا وأصبح المُلْك لله رب العالمين ، اللَّهم إنى أَسالُك خير هذا اليوم ، فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه ، وأعوذ بك من شر ما فيه ، وشر ما بعده ، ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك" .
    • والواقع أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يحتلوا فى الإيمان مكان القمة ، ولم يغيروا التارخ الإنسانى ، ويقيموا حُكمًا مكان حُكم ، وأخلاقًا مكان أخلاق إلا لقربهم من حياة الرسول ﷺ واقتباسهم من سناه ، وسريان الإخلاص من قلبه إلى قلوبهم ، وحب الله من فؤاده إلى أفئدتهم ..  
    • وليكن هذا اللون من الأدعية نافلة ، فهناك قدر مفروض من الإتصال بـ الله يتصل بالمسجد ، والصلوات المكتوبات على كل مسلم . إنه من خلال أربع وعشرين ساعة لا بد من الوقوف بين يدى الله خمس مرات ، وقد تفترض الجماعة أو تكون سُنَّة مُؤَكَّدة ، ومكانة المسجد فى المجتمع الإسلامى رفيعة ، وسوف يستغرب الحديث عنها أناس أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات : ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾ مريم . 
    • ومع التباس الخيط الأبيض والأسود من الفجر يبدأ الخطو إلى المسجد وإغراء لذلك يقول الرسول الكريم ﷺ : "بَشِّر المشَّائين إلى المساجد فى ظلم الليل بالنور التام يوم القيامة" ، ويقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) ﴾الحديد .  ﴿ .. نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) ﴾ التحريم .
    • وفى المشى إلى المساجد لحضور الجماعات ، صح قول الرسول ﷺ أنه : ما يرفع الإنسان قدمًا ويضع أخرى ، إلا كتبت له حسنة ، ومحيت عنه سيئة ، ورفعت له درجة .
    • لقد ارتبط بالمسجد ، وجعل القلوب به أملاً حلوًا ، وأحيا بسيرته دعاء أبيه إبراهيم (عليه السلام) لما قال : ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) ﴾ إبراهيم . لقد تحولت الصلاة فى سيرته من تكليف تصحبه المعاناة إلى سعادة تستريح إليها النفس ، وهو القائل : "وقُرةُ عَيْنى فى الصَّلاة" . 
    • وفى رواية . كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد حمد الله تعالى وسمى وقال : "اللَّهُم اغفر لى وافتح لى أبواب رحمتك" . وإذا خرج قال مثل ذلك ، وقال : "اللَّهُم افتح لى أبواب فضلك" . ما كان أشد حبه للصلاة ، كان إذا سمع المؤذن يقول : قد قامت الصلاة يقول : "أقامها الله وأدامها" . 
    • ونحن مأمورون أن نردد كلمات الآذان ثم ندعو للرسول ﷺ ونقول : اللَّهُم ربَّ هذه الدعوة التَّامة ، والصلاة القائمة آتِ مُحمد الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقامًا محمودًا الذى وعدته . يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (79) ﴾ الإسراء . 
    • كانت القلوب - وهو يقرأ القرآن - تكاد تطير من الروعة والخشوع وكان الأصحاب يرمقونه وهو يريهم ، فما يملأ أحد عينه منه مهابة وإعزازًا . لقد شعر الرسول الخاتم أنه أدى رسالته عندما نظر فى مرض الموت إلى المصلين فى المسجد ، فرآهم مقبلين على الله ، خالصين للحق ، فاستنار وجهه كأنه صفحة مذهبة .

    الأبوة فى سيرة النَّبى ﷺ } :
    • شملت حياة النبى ﷺ من الجوانب الشخصية ما يمكن أن يوجد فى شخصية بشر ، فالمعلم إذا تأمل سيرة النبى ﷺ وجد بغيته ، والمربى إذ تفحص حصل على طلبته  والقائد العسكرى أو الرجل الحربى إذا نظر استطاع أن يُحكم خطته ، والحاكم السياسى إذا تفرس وقف على سياسته ، والمصلح أو الداعية إذا تأسى هُدى طريقته ، قال الله عزَّ وجلَّ : ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) ﴾ الأحزاب . 
    • لهذا لم تكن شخصية النبى ﷺ يحتويها جانب واحد فقط من هذه الجوانب ، إنما كانت تتسع وتتسع لتطلب جانبًا آخر بل جوانب أخر ، فلم يك يملأ أقطارها ويفيض عنها إلا مقام النبوة ، والله أعلم حيث يجعل رسالته .
    • وكثير من الناس يعلم الكثير عن حياة مُحمد "النَّبى" ، لكنهم لا يعرفون إلا القليل عن مُحَمد "الإنسان" ، وربما ظنوا أن هيبة النبوة وقفت سدًا رادعًا بينه وبين الإنسانيات من المداعبة والملاعبة ، والمرح ، والتبسم ، والبكاء .
    • إن النبى ﷺ برفقه وإيناسه كان يُنْسى بعض زوجاته أنها تخاطب "رسول الله" فتقول أمام أبيها : "تكلم ولا تقل إلا صدقا.." وأخرى تعارضه وتغاضبه سحابة نهارها ، وقد كان بكل تواضع يتولى خدمة البيت معهن ؛ فعن الأسود قال : سألت عائشة (رضى الله عنها) : ما كان النبى ﷺ يصنع فى بيته ؟ قالت : "كان يكون فى مهنة أهله ، تعنى خدمة أهله ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة".   صحيح البخارى : كتاب الجماعة والإمامة . 
    حُبه لفَاطِمة (رضى الله عنها)
    • بلغ حب النبى ﷺ لفاطمة (رضى الله عنها) أن جعلها بضعة منه ، روى البخارى بسنده عن المسْوَرٍ بَنِ مَخْرَمَةَ أن رَسُول الله ﷺ قال : "فاطِمَةُ بَضْعةٌ منِّى فَمنْ أَغْضَبهَا أغْضَبَنِى" .  صحيح البخارى : كتاب فضائل الصحابة . 
    • حتى أراد النبى أن يراها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ــ والإنسان عادة يطلب رؤية من يُحب عند صعود الروح ــ ليبثها مكنون نفسه وما ألقاه فى روعه أمين السماء ، فعن عائشة (رضى الله عنها) قالت : أقْبلتْ فاطمةُ تَمْشى كأنَّ مَشْيتهَا مَشْىُ النَّبىِّ ﷺ فقال النَّبىُّ ﷺ : مرحبًا بابْنتى ثُم أَجلَسَهَا عن يَمينه أو عن شِماله ثم أَسَرَّ إليْها حديثًا فَبكتْ فقلتُ لها : لم تَبْكين ثم أسرَّ إليها حديثًا فَضحكتْ فَقلتُ : مَا رأيتُ كَاليومِ فرحًا أقْربَ منْ حُزْنٍ فَسَألْتُها عمَّا قال فقَالتْ : مَا كُنْتُ لأُفْشى سرَّ رَسُول الله ﷺ حتى قُبِض النَّبىُّ ﷺ  فسألْتُها فَقالتْ : أسرَّ إلىَّ إنَّ جِبْريلَ كانَ يُعَارضُنىِ القُرْآن كلَّ سَنةٍ مَرةً وإنَّهُ عَارَضَنىِ العَامَ مَرَّتيْنِ وَلا أَرَاهُ إِلا حَضَر أجَلِى وإنَّكِ أوَّلُ أَهْلِ بيْتِى لَحَاقًا بِى فبَكيْتُ فقال : أمَا تَرضَيْنَ أنْ تَكُونِى سَيِّدةَ نِسَاءِ أَهْل الجنَّةِ  فضَحِكْتُ لَذلكَ .  صحيح البخارى : كتاب المناقب .
    • هذا الحب العميق الذى رفرفت أجنحته على فاطمة فملك عليها قلبها ، جعل هذا القلب يتصدع ويتأوه يوم وفاة الأب المُحب الحنون ، عن أنس قال : لما ثَقُل النَّبىٌّ ﷺ جعل يتَغشَّاهُ فقالت فاطمة (رضى الله عنها) وا كَرْب أبَاهُ فقال لها : ليْسَ عَلى أبِيكِ كَرْبٌ بَعْد اليَومِ فلمَّا مَاتَ قالتْ : يا أَبَتَاهُ أَجَابَ ربًا دَعَاهُ يا أَبتَاه مِنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاه يا أَبتَاهْ إِلَى جِبْريل نَنْعَاه فلمَّا دُفن قالت فَاطِمةُ (رضى الله عنها) : يا أنس أَطابَتْ أَنْفُسُكُمُ أنْ تَحْثُوا التُّرابَ على رَسُولِ ﷺ . صحيح البخارى : كتاب المغازى .
    حُبَّهُ لولدهِ إبراهيم (عليه السَّلام)
    • قبل مجىء إبراهيم بن النَّبى ﷺ كان النبى ﷺ فى شوق شديد إليه لا سيما أنه مكث أكثر من عشرين سنة لم تلد له فيها إحدى زوجاته ، إضافة إلى موت كل أولاده فى هذه الفترة : رقية ، وزينب ، وأم كلثوم ، بعد زواجهن ، ما عدا فاطمة التى ماتت بعده بقليل ومات القاسم والطاهر ، ولم يتعوَّض إلى الآن بما يُعزيه عن هذا الفقْد الجلل ، ألا ما أشد شوق النبى ﷺ إلى مولود يكون فيه العزاء ! 
    • وجاء الطفل وسماه إبراهيم تَيَمُّنًا بجده الأكبر أبى الأنبياء ، لعله يخلف رسول الله ﷺ ، ولكن ما هو إلا أن مات الحلم الكبير ، ومات الطفل الصغير ، وقد بلغ أبوه الستين من عمره ، وتظهر الأبوة والإنسانية فى شخصية النبى ﷺ عند هذا الموقف أتم ما يكون الظهور ، عن أنس بن مالك (رضى الله عنه) قال : دخَلْنا مع رسُول الله ﷺ على أَبِى سَيْفٍ القَيْنِ وكَان ظِئْرًا لإِبراهيم (عليه السلام)  فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف (رضى الله عنه) وأنت يا رسول الله فقال : يا ابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺإنَّ العَيْن تدمع والقلب يَحْزن ولا نقول إلا مَا يُرضى ربنا وإنَّا بِفراقك يا إبراهيم لمَحْزُونون .  صحيح البخارى : كتاب الجنائز .
    • هذا الموقف من بكاء النبى ﷺ  أدهش عبد الرحمن بن عوف (رضى الله عنه) ، فربما أنساه إكباره لمقام النبوة أن النبى ﷺ من الآباء ، وأنه من الطبيعى أن يحزن ويسيل دمعه ، بل إنه أرحم من سائر الآباء ، والقلب الذى لا يحزن ليست له فضيلة فى الصبر .
    حبه للحَسن والحُسيْن
    • تعدت هذه الأبوة بتدفقها حتى ضمت أبناء الأبناء لتغمرهم وتحوطهم وتنشر أجنحتها عليهم : الحَسن والحُسيْن ، عن البراء (رضى الله عنه) قال : رأيت النبى ﷺ ، والحَسن بن علىّ على عاتقه ، يقول : "اللَّهُم إنِّى أُحِبه فأحبه" . صحيح البخارى : كتاب فضائل الصحابة .
    • وروى النسائى بسنده عن عبد الله بن شداد قال : خرج علينا رسول الله ﷺ فى إحدى صلاتى العشاء وهو حاملٌ حَسنًا أو حُسَينًا فتقدم رسول الله ﷺ فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهرانى صلاته سجدة أطال فيها قال : أبى فرفعت رأسى وإذا الصبى على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد فرجعت إلى سجودى فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس : يارسول الله إنك سجدت بين ظهرانى صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك قال : كل ذلك لم يكن ولكن ابنى ارتحلنى فكرهت أن أُعَجِّلهُ حتى يقضى حاجته . سنن النسائى : كتاب الإفتتاح .
    • وبلغ من حبه لهم أن دعا لهم الله أن يجعل من أسباب حب الله للعبد حبه للحَسن والحُسيْن ، فعن أسامة بن زيد قال : طرقت النبى ﷺ ذات ليلة فى بعض الحاجة فخرج النبى ﷺ وهو مشتمل على شىء لاأدرى ما هو فلما فرغت من حاجتى قلت ما هذا الذى أنت مُشتملٌ عَليْه فكشفه فإذا حَسَنٌ وحُسَيْنٌ على وِرْكيْه فقال : هَذان ابْنَاى وابنَا ابْنَتَى اللَّهُمَّ إِنِّى أُحِبَّهُما فَأَحبَّهُما وأَحبَّ منْ يُحبُّهُما . رواه الترمذى .
    • وتتعدى إنسانية النبى ﷺ كل الأسرة لتشمل الأبناء والأب والأم جميعًا ، كما روت أم سلمة (رضى الله عنها) أن النبى ﷺ جلل على الحَسَنِ والحُسَيْنِ وعلىٍّ وفاطمة كساءً ثم قال : اللَّهُمَّ هؤلاء أهل بيْتِى وخَاصَّتى أَذْهب عَنْهُم الرِّجس وطَهِّرهُمْ تَطْهيرًا فقالت أم سلمة : وأنا معهم يا رسول الله قال : إِنَّك إلى خَيْرٍ . رواه الترمذى .
    أبوَّته لكل المسلميـن 
    • لم تقتصر أبوة النبى ﷺ أبناءه وأحفاده فحسب ، وإلا لم يكن له فضل ، بل تعدت لتشمل كل المسلمين وتحوط أبناءهم . إن النفوس التى تنكفئ على شخصها وأبنائها فقط ، وتحرم أبناء غيرها هى النفوس الصغيرة الضئيلة ، أما النفوس الكبيرة العظيمة فلها شأن آخر ، إنها استودعت من الرحمة ومشاعر الإنسانية ما تأبى به على صاحبها إلا أن ينشرها على كل الناس ويعمهم بها ، وأولى الناس بذلك الأنبياء ، وأولاهم مُحمد بن عبد الله ﷺ الذى له من ذلك القدح المعلَّى .
    • عن أسامة بن زيد (رضى الله عنهما) قال : كان رسول الله ﷺ يأخذنى فيقعدنى على فخذه ويقعد الحَسن على فخذه الآخر ، ثم يضمهما ، ثم يقول : "اللَّهُمَّ ارحمهما فإنى أرحمهما" . صحيح البخارى : كتاب الأدب .
    • وروى البخارى عن أبى هريرة (رضى الله عنه) قال : قَبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علىٍّ وعنده الأقرع بن حابس التميمى جالسًا فقال الأقرع : إن لى عشرة من الولد ما قَبَّلتُ منهم أحدًا فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال : مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ . صحيح البخارى : كتاب الأدب .
    • وعن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجْلسهُ رسول الله ﷺ فى حِجره فبَال على ثوبه فَدعَا بماء فَنَضَحهُ ولم يَغْسلْهُ . صحيح البخارى : كتاب الوضوء .
    • وروى عن أنس (رضى الله عنه) قوله : أن كان النبى ﷺ لَيُخالطُنا ــ حتى يقول لأَخٍ لى صغير : يا أبَا عُمَيْر ما فَعل النُّغيْر . صحيح البخارى : كتاب الأدب .
    • لم يمنع النبى ﷺ أداء شعير كبرى من شعائر الإسلام أن يحافظ على مشاعر الأمهات ، ويرحم الأطفال ، فعن أبى قتادة عن النبى ﷺ قال : إنى لأَقُوم فى الصَّلاة أريدُ أن أُطوِّلَ فيها فأَسمعُ بكاءَ الصَّبى فأَتَجوَّز فى صَلاتى كَرَاهيةَ أنْ أَشُقَّ على أُمِّه . صحيح البخارى : كتاب الجماعة والإمامة .
    • لم تنزل دموع الرحمة من عينى نبى المرحمة لفراق ولده فحسب بل سالت لفراق غيره من أحفاده وأبناء المسلمين ، فعن أسامة بن زيد (رضى الله عنهما) قال : أَرْسَلتْ ابنةُ النبى ﷺ إليه إِنَّ ابنًا لى قُبض فأْتِنا فَأَرسل يُقْرئُ السَّلام ويقولُ : إنَّ لله مَا أَخَذَ ولهُ مَا أَعْطَى وكلٌ عنده بأجل مُسَمًّى فَلتَصْبِر ولتَحْتَسبْ فَأَرْسَلتْ إِليْه تُقْسِمُ عَليْه ليَأْتينَّها فقام ومعه سَعْد بنُ عُبادة ومُعَاذ بنُ جَبل وأُبى بنُ كَعْب وزَيْد بنُ ثَابت ورجالٌ فَرُفِعَ إلى رسُول الله ﷺ الصَّبىُّ ونَفْسُهُ تَتقَعْقَعُ قال حَسبْتُهُ أنَّه قال كَأَنَّها شنٌ فَفَافضتْ عيناه فقال : هَذِه رَحْمَةٌ جَعَلَها الله فِى قُلُوب عِبَاده وإِنَّما يَرْحمُ الله مِنْ عِباَدِهِ الرُّحمَاء . صحيح البخارى : كتاب الجنائز .
    • فهذه صفحة مشرقة من الأبوة فى حياة قدوة الدعاة ﷺ جديرة أن يتأملها الآباء لا سيما حملة الدعوات وأصحاب الرسالات منهم ، الذين ينشغلون بالدعوة عن أبنائهم وزوجاتهم وأهليهم ، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا .

                               ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛