دروس وعبر | السيرة النبوية فى رحاب المصطفى المختار (الجزء الثالث)
السيرة النبوية (الجزء الثالث)
فى رحاب المصطفى المختار
- الهِجْرة من مَكة إلى المَدِينة
- المسلمون فى المديـــــنــة
- المسلمون وأهل مكـــة
- إِجْلاء بنِى النَّضير
- معاقبة بنى قينقاع
- ذَات الرِّقاع ودَوْمة الجَنْدل
- غَزوة بدر الآخرة
- فتح مكـــــة
- فى العام الحادى عشر من البعثة وفى موسم الحج كان النبى ﷺ يعرض نفسه على القبائل لينصروا دعوته ، فعرض نفسه على مجموعة من شباب الخزرج ودعاهم إلى الإسلام فاستجابوا له وعادوا إلى المدينة ، ودعوا قومهم إلى الإسلام وبدأ الإسلام ينتشر فى المدينة ، وفى العام الثانى عشر من البعثة أتى وفد جديد من المدينة مكون من اثنا عشر رجلا ، وبايعوا النبى ﷺ ، وأرسل النبى ﷺ معهم مصعب بن عمير إلى المدينة يدعوا أهلها إلى الإسلام وكانت هذه بيعة العقبة الأولى .
- أما بيعة العقبة الثانية كانت فى موسم الحج بين النبى ﷺ ووفد كبير من أهل يثرب من الأوس والخزرج وكانت فى ظلام الليل حتى لا تعلم قريش بخبرهم وكان يضم الوفد ثلاثة وسبعون رجلا ومعهم امرأتان هما نسيبة بنت كعب ، وأسماء بنت عمرو بن عدى وكان مع النبى ﷺ عمه العباس بن عبد المطلب ولم يكن قد أسلم واستفتح العباس مبينًا منعة النبى ﷺ من قومه فبدأ النبى ﷺ كلامه بتلاوة القرآن ثم رغَّب القوم فى الإسلام وقال : "أبَايعكم على أنْ تمْنعُونى مما تَمْنعون مِنْه نساءكم وأبناءكم" فكان أول من مد يده للنبى ﷺ لبيعته هو البراء بن معور وقال : نعم والذى بَعثَكَ بالحقِّ لنَمْنَعنَّك مِمَّا نَمْنع مِنْه أَزْرنا فَبَايعْنَا يا رَسُول الله ، فنَحْنُ أهل الحروب وأهل الحَلْقَةِ ، ورِثْناها كابرًا عن كابرٍ ثم بايع القوم من بعده ، قيل فى ذلك : وبينا هم كذلك صَرخَ الشيطان بأعلى صوته مُحذرًا المُشركين من إِتْمَام البيْعة .
- كان معاذ بن عمرو بن الجموح من الذين بايعوا رسول الله ﷺ فى بيعة العقبة الثانية ، وهو الذى قتل أبو جهل فى غزوة بدر . كان أبوه عمرو بن الجموح من سادات بنى سلمة وأشرافهم وكان متحيزًا للأصنام والشرك ، وكان عنده صنم فى بيته يقال له "مناة" ، وكان معاذ بن عمرو يتمنى أن يُسلم أبوه عمرو بن الجموح . اتفق معاذ بن عمرو ، ومعاذ بن جبل ، عندما ينام عمرو بن الجموح يأخذوا صنمه فيحملونه ، ويطرحونه فى بعض حفر بنى سلمة وفيها عذر الناس مُنكسًا على رأسه فإذا أصبح قال : ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة ؟ ثم يغدو يلتمسه ، حتى إذا وجده غسله ، وطيَّبه ، وطهَّره ، ثم قال : والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه .
- فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه الفتيان ففعلوا مثل ذلك ، فيغدو عمرو فيجده فى مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ، ويطيبه ، ويطهره . ثم يعدون عليه الفتيان مرة أخرى إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك .
- فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه فغسله ، وطيبه ، ثم جاء بسيف ، فعلقه عليه ، ثم قال له : إنى والله لا أعلم من يصنع بك ما أرى ، فإن كان فيك خير فامتنع ، هذا السيف معك ، فلما أمسى ونام عمرو ، غدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه . ثم أخذوا كلبا ميتَا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه فى بئر من آبار بنى سلمة فيها عذر الناس ، وغدا عمرو فلم يجده فى مكانه ، فجعل يتبعه حتى وجده فى تلك البئر منكسا مقرونًا بكلب ميت ، فلما رأه أبصر شأنه وبان له صوابه ، ورجع إليه عقله ، وعلم أنها أصنام لا تضر ولا تنفع ، فما إن كلمه من أسلم من قومه حتى أسلم ، وحسن إسلامه وقال - حين استبان له الرشد - يذكر صنمه هذا وما كان من أمره ، ويشكر الله الذى أنقذه مما كان فيه من العمى والضلال : والله لو كنت إلها لم تكن .. أنت وكلب وسط بئر فى قرن (حبل) .
- ذكرت قصة إسلام عمرو بن الجموح لتبين مدى الضلال والتخلف والجهالات والظلام الذى كانت تعيش فيه البشرية قبل بعثة النبى ﷺ ، فبعث الله رسوله ﷺ لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور .
- بعد بيعة النبى ﷺ أهل يثرب على الإسلام أمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة (يثرب) واللحوق بإخوانهم الأنصار ، ومن أمثلة الصحابة الذين هاجروا إلى المدينة : صهيب بن سنان الرومى (رضى الله عنه) ، فلم يكن صهيب من أهل مكة ، ولم تكن له قبيلة تمنعه ، وكان يعمل بصناعة السيوف ، وكانت هذه الصناعة تدر عليه مالا وفيرًا ، ولما أمر الرسول ﷺ أصحابه بالهجرة ، ترك صُهيب تجارته ليهاجر إلى المدينة ، ولكن عند خروجه وقف له صناديد قريش وقالوا له : أتَيْتنا صعلوكًا حقيرَّا ، فكثر مالك عندنا ، وبلغت ما بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ؟ والله لا يكون ذلك . قال لهم صهيب : أرأيتم إن جعلت لكم مالى ، أتخلون سبيلى ؟ قالوا : نعم . قال صهيب : قد جعلت لكم مالى ، وأعطاهم كل ما يملك وهاجر ، فلما بلغ الأمر رسول الله ﷺ قال : ربح صهيب ، ربح صهيب .
- كما نجد هجرة عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) مختلفة عن هجرة بقية الصحابة ؛ فبينما كان الصحابة يهاجرون سِرًا هاجر عمر بن الخطاب جهرًا ، فقد وقف فى المسجد الحرام وقال بصوت مرتفع وهو متقلد سيفه : يا مَعْشر قُريش ، من أراد أن تثكله أُمه ، أو ييتم ولده ، أو تُرمَّل زوجته فَليُلقنى وراء هذا الوادى ، فلم يخرج خلفه أحد ، وخرج معه بعض ضعاف المسلمين يحتمون به .
- مكث صلى الله عليه وسلم فى مكة ينتظر الإذن من الله بالهجرة إلى المدينة . لم يَسْلم النبى ﷺ من مشركى قريش ، ومن أبرز من وقف ضد النبى ﷺ عمه أبو لهب والذى كان يمشى بين الناس قائلاً لهم : لا تسمعوا لمحمد فإنه كاذب ، وقد اجتمع صناديد قريش وعقدوا اجتماعًا لهم فى دار الندوة ليكيدوا للخلاص من النبى ﷺ ، فاختلفت الآراء ما بين نفى وحبس ، واستقروا على أن يتم اختيار عشر رجال من كل قبيلة فتى قوى ليشتركوا فى قتل رسول الله ﷺ فيتفرق دمه بين القبائل ، فلا تستطيع بنى هاشم مواجهة جميع القبائل ، واجتمع هؤلاء الشباب حول بيت النبى ﷺ .
- أوحى الله تبارك وتعالى لنبيه بتدبير قريش لقتله ، وأذن له بالهجرة . ذهب النبى ﷺ إلى بيت أبى بكر وأعلمه أنه قد أُذن له بالهجرة ، وطلب منه كتمان الخبر ، وأمر النبى ﷺ علىّ بن أبى طالب أن ينام فى فراشه هذه الليلة ، وخرج الرسول ﷺ من بينهم ، وأخذ حِفْنة من التراب وجعل يمشى ويُزريه على رؤوسهم وهو يتلو قوله تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) ﴾ يس .
- تجهز الرسول ﷺ وأبو بكر الصديق للرحيل ، وقدم أبو بكر (رضى الله عنه) راحلتين قد أعدَّهما لهذه الرحلة ، واستأجر عبد الله بن أُريْقط وكان مشركًا ، ليدلهما على الطريق واستكتمه الخبر ، ولن يشك أهل قريش فى أمره إذا رأوه سائرًا خارج مكة ، وخرج النبى ﷺ ومعه أبو بكر الصديق من مكة فى الخفاء متجهين إلى غار ثور ، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتَسمَّع أخبار أهل مكة ، وأمَّا عامر بن فُهيْرة مولى أبى بكر فكان دوره أن يرعى غنمه نهارًا ليخفى آثار أقدام النبى ﷺ وأبو بكر الصديق (رضى الله عنه) ثم فوق آثار أقدام عبد الله بن أبى بكر (رضى الله عنهما) حتى يُضيِّع على المشركين فرصة تتبع آثار الأقدام ثم يريحها عليهما ليلا ليشربا لبنها ، وأمَّا أسماء بنت أبى بكر (رضى الله عنها) فكانت لها نطاق شقته نصفين ، واحد للسقاء والآخر للطعام لذلك سميت بذات النطاقين .
- عندما علمت قريش بخروج النبى ﷺ جن جنونهم وأعدت مكافأة لمن يأتى برسول الله ﷺ ، وما إن علم سُراقة بهذه المكافأة التى وضعتها قريش حتى جهز فرسه وانطلق خلف رسول الله ﷺ ، ولكنه كلما أراد أن يقترب من النبى ﷺ غرزت قدما فرسه فى الرمال ، حتى نادى على الر سول ﷺ ليُعْطيه الأمان على أن يدعوا الله أن يكشف عنه ما أصابه ، وكتب له رسول الله ﷺ كتاب أمان على أن يكف سراقة عنهما الطلب ويُضلل قريش عنه ، دخل النبى ﷺ وصاحبه الغار . دخل أبو بكر الصديق الغار قبل رسول الله ﷺ ، وذلك ليتأكد أمان الغار لرسول الله ﷺ ، وما إن دخلا إلى الغار حتى أرسل الله تعالى عنكبوتًا نسجت خيوطها على باب الغار ، وبقيا فى الغار ثلاث ليالى ، وما أن وصل المشركون إلى الغار أعمى الحق تبارك وتعالى أبصارهم عن النبى ﷺ وصاحبه ، ووجدوا نسيج العنكبوت على باب الغار . يقول أبو بكر الصديق (رضى الله عنه) : كنت مع النبى ﷺ فى الغار فرفعت رأسى ، فإذا أنا بأقدام القوم ، فقلت يا نبى الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا ، قال صلى الله عليه وسلم : "يا أبَا بكر مَا ظنُّك باثنيْن الله ثَالثهما" .
- وفى ليلة الإثنين من ربيع الأول للسنة الأولى من الهجرة ، وبعد مرور ثلاثة أيام فى الغار جاء عبد الله بن أريقط بالراحلتين ، وارتحل رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق (رضى الله عنه) ومعهم الراعى عامر بن فُهيْرة وأخذوا طريق الساحل ويرافقهم عبد الله بن أُريْقط يرشدهم الطريق .
- فى أثناء هجرة الرسول ﷺ مرَّ بخيمة أم معبد الخزاعية ، وكانت امرأة عجوز تعيش فى البادية هى وزوجها وتُطعم وتسقى من مرَّ بها ، وكانت تلك السَّنة جدباء ، فلما وصل إليها الرسول ﷺ وصاحبه كانت عندها شاة ليس فيها شىء من لبن ، فاستأذنها رسول الله ﷺ أن يحلبها فأذنت له ، فمسح النبى ﷺ ضرع الشاة بيده الشريفة وسمى الله ودعا ، فحلبها ، وطلب إناء فحلب فيه وسقاها حتى رويت ، وسقى أصحابه ، وشرب منه ﷺ ، وحلب فيه أخرى حتى امتلأ ثم انصرفوا .. فلما جاء زوجها أبو معبد ورأى اللبن عجب وقال : من أين لك هذا والشاة عازب ، فقالت : مرَّ بنا رجل مُبارك وذكرت أوصافه ، قال : و الله إنى لأراه صاحب قريش الذى تطلبه .
- وفى يوم الإثنين الثامن من ربيع الأول نزل ﷺ بقباء ، وكان أهل المدينة ينتظرونه كل يوم حتى جاء اليوم الذى وصل فيه النبى ﷺ كانوا قد عادوا إلى بيوتهم بعد أن أطالوا الإنتظار ، وبينما هم فى بيوتهم رأى يهودى رسول الله ﷺ وأصحابه من بعيد فنادى بأعلى صوته وقال : يا معشر العرب ، هذا جدكم الذى تنتظرون ، وكان يومًا مشهودًا لإستقباله ﷺ ، وأنشدت نساء الأنصار وصبيانهم :
وجَبَ الشُكْرُ عَليْنَــــا ** مَـا دَعَـــى للهِ دَاع
أيُّهَا المَبْعُوثُ فِينَـــــا ** جِئْتَ بِالأَمْرِ المُطَاع
جِئْتَ شَرَّفْتَ المَدِينــة ** مَرْحبًـا يَا خَيْرَ دَاع
- أقام النبى ﷺ فى قِباء أربعة أيام وأسس فيها مسجد قباء ، وهو أول مسجد أسس على التقوى فى الإسلام . ثم صار رسول الله ﷺ فأدركته الجمعة عند بنى سالم بن عوف فجمع بهم الجمعة فى المسجد الذى هناك ودخل النبى ﷺ يثرب التى سميت بعد ذلك بمدينة رسول الله ﷺ ، وكان الناس كل منهم يريد أن يأخذ بخطام ناقته يريد أن ينزل عنده ، وكان النبى ﷺ يقول لهم : "خَلُّوا سبيلها فإنها مَأْمورة" فلم تزل كذلك حتى وصلت إلى مكان أخواله بنى النجار فبركت من تلقاء نفسها ، ثم قامت ودارت دورة ، ثم عادت إلى مكانها الأول فبركت فيه واستقرت فكان مسجد رسول الله ﷺ ، وأمَّا الرَّحل فأخذه الصحابى الجليل أبو أيوب الأنْصارى ودخل به بيته لينال شرف استضافة رسول الله ﷺ .
- استطاع مصعب بن عمير الذى أرسله النبى ﷺ إلى المدينة مع وفد بيعة العقبة الأولى أن يستقطب عشائر بأسرها إلى الإسلام بعد إقناع زعمائها بالدين الجديد ، مثل ما حدث مع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير ، إذ أسلم قومهما بمجرد إسلامهما حتى أصبح للمدينة وضع اجتماعى جديد .
- كان أهل المدينة قبل الهجرة يتألفون من طائفتين : العرب (الأوس والخزرج) واليهود ، وبوصول المسلمين المهاجرين من مكة إلى المدينة ، ووصول النبى ﷺ إلى المدينة أصبحت المدينة تضم أربع طوائف : المهاجرون والأنصار والمنافقون واليهود ، ولكى يستتب الأمن فى المدينة وتنتشر الدعوة كان لابد من تنظيم العلاقة بين هذه الطوائف الأربعة .
- فالمهاجرون هم المسلمون الأوائل من أهل قريش الذين آمنوا بالنبى ﷺ وتحملوا الأذى والصبر ، وفارقوا الأهل والأرض وهاجروا من مكة إلى المدينة تنفيذًا لأوامر النبى ﷺ بعد ثلاث عشرة سنة من بعثة النبى ﷺ فى مكة .
- والأنصار هم الأوس والخزرج الذين بايعوا النبى ﷺ فى بيعة العقبة الأولى والثانية وفتحوا قلوبهم ومدينتهم لإستقباله ﷺ مع المهاجرين ، حتى لقى المهاجرون فيها الإخاء والإيثار من الأنصار ، وكان سعد بن معاذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ، وبدأ عدد المسلمون يتزايد فى المدينة .
- أما المنافقون هم الذين دخلوا الإسلام عن غير إيمان وصدق يبطنون الشرك ويظهرون الإسلام ، وكان عبد الله بن أبى بن سلول رأس المنافقين ، ومن أشد الحاقدين على النبى ﷺ .
- أما اليهود فقد أحسنوا استقبال النبى ﷺ فى أول الأمر طمعًا فى استمالته إليهم ، ولكنهم سرعان ما عارضوا سياسته فى جمع العرب وتوحيدهم ، وكان منهم بنو قينقاع الذين يقيمون داخل المدينة وهم أصحاب سلاح ولهم مكانة فى المدينة ، أما بنو النضير وبنو قريظة فكان كل منهما يقيم ويتحصن فى مزارعه على مقربة من المدينة ، وكانوا يحاولون الإيقاع بين الأوس والخزرج (الأنصار) من جهة وبينهم وبين المهاجرين من جهة أخرى ، وكان يهود خيبر فى خيبر .
- لذلك بدأ النبى ﷺ فى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار مثال : عبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع الخزرجى الانصارى - وطلحة بن عبيد الله مع كعب بن مالك الأنصارى - وسعيد بن زيد مع أُبى بن كعب ، كما عقد معاهدة أو وثيقة تنظم الحياة فى المدينة بينه وبين اليهود كان منها : [1]- حرية العقيدة [2]- حرية الرأى [3]- المدينة حرم لأهلها ، وأى عداوة تحدث ضد المدينة يتعاون الكل مسلم وغير مسلم فى الدفاع عنها [4]- ذمة المسلمين واحدة ويسعى بها أدناهم [5]- حرمة الأموال والأنفس والدور [6]- مراعاة حق الجوار [7]- كل ماهو من مكارم الأخلاق لقيام الدولة المسلمة التى يجد فيها المواطن الأمن والأمان وضعت فى بنود [8]- اليهود لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين .
- أسلم مجموعة قليلة من اليهود من بينهم عبد الله بن سلام (رضى الله عنه) ، أما عموم اليهود ظلوا على كفرهم ، وحاولوا التفرقة بين صفوف المسلمين ، فقد حاولوا الإيقاع بين الأوس والخزرج وإثارة الفتن الداخلية ، والشعارات الجاهلية ، وإعادة الحرب بينهم بعد أن جاء الإسلام ووحد صفوفهم ، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل .
- من محاولات اليهود الوقيعة بين الأوس والخزرج أنَّ شاس بن قيس اليهودى ، وكان شديد العداوة للمسلمين ، مرَّ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج فى مجلس يتحدثون ، فغاظه ذلك حيث وجدهم اجتمعوا بعد العداوة ، فأمر شابًا من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم بالأشعار التى قيلت يوم "بُعاث" ، وكان يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج ، وكان الظفر فيه للأوس ، فتشاجرا القوم وكاد يقوم بينهم إقتتال ، فبلغ النبى ﷺ ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار ، فقال : "أَتدْعون الجَاهِلية وأنا بَيْن أظْهركم بعد أنْ أكْرَمَكُم الله بالإسلام ، وألَّف بين قلوبكم" فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم وعانق بعضهم بعضا وبكوا ، وفشلت خطة اليهود فى الإيقاع بينهم .
- حاول اليهود جدال النبى ﷺ فكان أحد اليهود ويُدعى فِنْحَاص ، أن جلس مع سيدنا أبو بكر الصديق (رضى الله عنه) يجادله فى الإسلام وأبو بكر الصديق يرد عليه ، ثم قال له فِنْحَاص : إن ربكم ينهى عن الرِّبا ويتهمنا بتعاطى الرِّبا وهو يعاملكم بالرِّبا فهو يقول إن الحسنة بعشر أمثالها ، ويقول من ذا الذى يقرض الله حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ، وهذا ربا ، وإن ربك يا أبا بكر فقير إلينا ونحن عنه أغنياء مما غاظ ذلك أبا بكر (رضى الله عنه) فقام بضربه ضربًا شديدًا ، مما جعل اليهودى يشتكى للرسول ﷺ من أبى بكر ، فلما استدعى النبى ﷺ أبا بكر وسأله ، قال أبو بكر : إنه يدعى أن الله فقير وهم أغنياء ، فأنكر اليهودى وأقسم أنه ما قال ذلك ، فنزل جبريل (عليه السلام) فى التو بالآيات : ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ﴾ آل عمران .
- بهذا قام الرسول ﷺ بتأمين المدينة من الداخل حيث ألف بين قبيلتى الأوس والخزرج (الأنصار) ، والف بينهم وبين المسلمين المهاجرين من مكة الفارين بدينهم من تعذيب قريش ، وعقد معاهدة بينه وبين يهود المدينة بكل طوائفهم ، وبقى تأمين المدينة من الخارج ، فكانت الغزوات والسرايا وكانت كلها تنتهى بدون قتال ،
- أما الغزوات : غزوة وَدَّان : وهى أول غزوات النبى ﷺ وكان هدفها استكشاف الرسول ﷺ للمناطق المحيطة بالمدينة وعقد المعاهدات معهم ، وفى نفس الوقت إرسال رسالة إلى كل من يتربص بالمسلمين ، غزوة بُوَاط : ثانى غزوات النبى ﷺ وحدثت بعد غزوة ودَّان وأراد بها النبى ﷺ عيرًا لقريش ، ولكنها علمت بخروج المسلمين فسلكت طريقا غير طريق القوافل ورجع المسلمون إلى المدينة ولم يحدث قتال ، غزوة العُشَيْرة : خرج النبى ﷺ مع أصحابه حتى وصل إلى منطقة العُشَيْرة وأقام بها شهرا ، وصالح بها "بنى مدلج" ثم عاد ومن معه من المسلمين دون قتال ، غزوة سَفْوَان : وتسمى غزوة بدر الصغرى ، خرج النبى ﷺ ومن معه من الصحابة فى طلب كرز بن جابر الفهرى الذى أغار على مواشى المدينة ، حتى وصلوا منطقة سفوان ، وعندما علم بن جابر بخروج المسلمين فرَّ هاربًا ، ورجع المسلمون دون قتال ، أما السرايا ، فكانت أول سرية : أمَّر عليها النبى ﷺ عُبيْدة بن الحارث ، والسرية الثانية : أمَّر عليها حمزة بن عبد المطلب ولم يحدث فيها قتال ، والسرية الثالثة : أمَّر عليها سعد بن أبى وقاص ، والسرية الرابعة : أمَّر عليها عبد الله بن جحش .
- يتبن مما سبق أن النبى ﷺ لم يقاتل مُطلقًا لنشر الدين ، ولكن القتال كان من أجل الدفاع عن الدين ، ولهذه كانت السرايا والغزوات لتأمين المدينة من الخارج ، ومُهادنة القبائل المحيطة بالمدينة ، واستعراض قوة المسلمين ، وقطع الطريق على قريش لمنعهم من التحالف مع هذه القبائل ضد المسلمين ، وإرهاب اليهود بالمدينة أن المسلمين قوة ، وأنهم فرسان ، وفى نفس الوقت جس نبض قريش ، وإرهاب قريش ، والترصد لهم ، واشعار قريش بإستعداد المسلمون للدفاع عن أنفسهم وعن عقائدهم ، ومنعهم من التفكير فى غزو المدينة .
- بعث النبى ﷺ عبد الله بن جحش فى سرية لإستطلاع أخبار قريش وأعطاه كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ، وبعد مسيرة يومين فتحه ووجد فيه الأمر بالنزول لوادى "نخلة" بين مكة والطائف ورصد أخبار قريش وأخبره أن لايستكره أحد ممن معه على المسير معه ، وفى أثناء الطريق ضل بعير لسعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان ، فتخلفا فى طلبه ، وسار عبد الله بن جحش حتى نزل "بنخلة" فمرت قافلة لقريش تحمل تجارة وفيها عمرو بن الحضرمى ، وتَحَيَّر عبد الله بن جحش ومن معه فى قتالهم لأنه كان اليوم الأخير من رجب الشهر الحرام ، فكان إجماعهم بالقتال ، فرمى رجل منهم عمرو بن الحضرمى فقتله واستولوا على القافلة وأسروا اثنين منهم ، ووزع عبد الله بن جحش الغنائم واقتطع الخُمْس للنبى ﷺ وكان ذلك قبل نزول الآية : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (41) ﴾ الأنفال .
- وعندما علم النبى ﷺ أنكر ما فعله عبد الله بن جحش ومن معه وقال النبى صلى الله عليه وسلم : "مَا أَمرْتكم بِقِتَال فى الشهر الحرام" ، وأوقف التصرف فى العير والأسيرين ، وكانت قريش قد استغلت هذه الواقعة للدعاية ضد النبى ﷺ وأصحابه وأنهم استحلوا الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا فيه الرجال ، ووقع المسلمون فى حَيْرة وغم ؛ حتى نزل الوحى حاسمًا ، وأن ما عليه المشركون أكبر وأعظم مما ارتكبه المسلمون ، قال تعالى : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) ﴾ البقرة . فكانت هذه الآيات سكينة وسلامًا على عبد الله بن جحش (رضى الله عنه) ، واطمأن النبى ﷺ لما فعله عبد الله بن جحش وأخذ العير غنيمة ، فكانت أول غنيمة للمسلمين ، وأول غنيمة يُقْسم فيها الخُمس لرسول الله ﷺ والتى حجزها عبد الله بن جحش قبل ذلك ، واطلق النبى ﷺ الأسيرين بعد أن اطمأن على رجوع سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان الذين تخلفا عن عبد الله بن جحش خوفًا من أن تكون قريش قد أخذتهما أسيرين مقابل الأسيرين الذين أخذهما عبد الله بن جحش . فقد كانت تلك السرية من ارهاصات غزوة بدر لما شعر به صناديد قريش من خطر المسلمين على تجارتهم .
4- إِجْلاء بنِى النَّضير
- ذهب رسول الله ﷺ ومعه أصحابه إلى بنى النَّضير وزعيمهم حُيى بنُ أخطب يستكشف نواياهم وطلب منهم الإعانة فى دفع الدية عن الرجلين من بنى عامر حلفاء بنى النضير الذين قتلهما عمرو بن أمية عن طريق الخطأ ، فأظهروا له الإستعداد فى تقديم العون ، لكنهم تآمروا فيما بينهم لما جلس النبى ﷺ إلى جانب الحائط ، وصعد رجل إلى أعلى السطح ليلقى على رأسه صخرة فيتخلصوا منه ، فعلم رسول الله ﷺ بمؤامرتهم بالوحى ، وأوهمهم بالقيام لقضاء بعض حاجاته وترك أصحابه وعاد إلى المدينة ، فلما تأخر خرج أصحابه يبحثوا عنه ، ثم علموا أنه رجع إلى المدينة .
- لحق الصحابة بالنبى ﷺ فى المدينة فقص عليهم ما حدث من غدر بنى النضير ، وبعث إليهم محمد بن مَسْلمة برسالة من النبى ﷺ يقول لهم : "اخرجوا من المدينة ولا تُسَاكنُونى بها ، وقد أجَّلْتُكم عشراً ، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه" ، وأن المؤامرة لقتل الرسول ﷺ قد كُشفت ، وأنهم نقضوا عهدهم مع النبى ﷺ ، لكن المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبى ابن سلول أشار عليهم بعدم الخروج : لئن أخرجتم لنخرج معكم وإن قوتلتم لنقاتل معكم ، وأنصركم وأنهم معه وفى حمايته ،
- ونزل قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (12) لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14) ﴾ الحشر . ورفض بنو النضير الخروج مستعينين بالمنافقين والحصون التى تحميهم ، فتجهز الرسول ﷺ وأصحابه وخرج إليهم وحاصرهم ست ليالى ، وأمر النبى ﷺ بقطع نخيلهم وتحريقها ، وقذف الله الرعب فى قلوبهم ، ونزل قول الله تعالى : ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) ﴾ الحشر .
- استسلم يهود بنى النضير وطلبوا الصلح مع النبى ﷺ ، وافق النبى ﷺ على أن يخرجوا منها بنفوسهم وذراريهم وأن لهم ماحملت الإبل إلا السلاح ، ووافقوا على ذلك .. ولحقدهم قاموا بتخريب بيوتهم بأيديهم ، ليحملوا معهم الأبواب والشبابيك والجذوع حتى لا يأخذها المسلمون ، ونزل قول الله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) ﴾ الحشر .
5- معاقبة بنى قينقاع
6- ذَات الرِّقاع ودَوْمة الجَنْدل- يذكر أن اليهود كثيرا ما حاربوا المسلمين سرًا وعلانية ، رغم احسان النبى ﷺ إليهم ، واصداره لوثيقة المدينة التى أمَّنتهم على أنفسهم وأموالهم وضمنت لهم العيش فى المدينة ، ولكنهم نقضوا العهد وتحالفوا مع المشركين ضد النبى ﷺ والمسلمين ، ولم يتوقفوا لحظة عن إحداث الشِقاق وإثارة الفتن بين صفوف المسلمين ومع ذلك حاول النبى ﷺ نصيحتهم وذَكَّرهم بمصير قريش فى غزوة بدر ولكنهم ردوا عليه قائلين : "يا مُحمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارا - يعنون قلة خبرتهم فى الحروب - لا يعرفون القتال ، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا" .
- حدثت واقعة أخرى أن امراة من المسلمين قدمت إلى سوق بنى قينقاع ، وجلست إلى أحد الصاغة اليهود تبيع وتشترى منه ، فجعل اليهود يريدونها على كشف وجهها ، ورفضت المرأة المسلمة ذلك ، فجاء أحد اليهود من خلفها وربط طرف ثوبها برأسها دون أن تشعر ، وعندما وقفت انكشفت المرأة فضحكوا منها فصرخت ، فجاء أحد المسلمين وقتل اليهودى الذى فعل ذلك ، فاجتمع يهود بنى قينقاع على المسلم وقتلوه .
- وصل الأمر إلى رسول الله ﷺ ، وعلى الفور جمع الصحابة وجهز جيشًا ، وذهبوا إلى حصون بنى قينقاع وحاصرها خمس عشرة ليلة حتى ينزل اليهود على أمره ، وحاول رأس المنافقين فى المدينة عبد الله بن أبى بن سلول أن يتوسط لهم عند النبى ﷺ فغضب النبى ﷺ ، وقذف الله الرعب فى قلوب اليهود ، فنزلوا على حكم النبى ﷺ وقد أمر بإخراجهم من المدينة واتجهوا شمالا إلى الشام حيث أقاموا بمنطقة تسمى أذريعات على حدود الشام حتى هلكوا جميعًا ، وغنم المسلمون ما لديهم من أموال وأسلحة .
- بعد أن انتهى النبى ﷺ من إجلاء يهود بنى النضير من المدينة ، علم النبى ﷺ بأن قبائل غطفان يُعدُّون العُدَّة لغزو المدينة ، فجهز النبى ﷺ جيشه وخرج إليهم لتأديبهم وكسر شوكتهم . خرج النبى ﷺ بنفسه مع أربعمائة من أصحابه فى جيش قليل العدد ، ولم يكن معهم من البعير إلا القليل لدرجة أن ستة من الصحابة كانوا يتناوبون ركوب البعير الواحد ، وسار الرسول ﷺ مسافة كبير بجيشه فى عمق الصحراء ، وتوغل حتى بلغ ديار غطفان وعلى مسافة كبيرة جدا من المدينة ، حيث لاقى المسلمون فى سيرهم المشاق والصعاب فى وعورة الطريق نتيجة النقص فى عدد الخيل والإبل فكان الصحابة يسيرون على أقدامهم حتى أثر ذلك فيهم أجمعين ، وتمزقت نعالهم من قسوة الحجارة وحدتها ، ويروى البُخَارى (رحمه الله) عن أبى موسى الأشعرى قال : "خَرجْنَا مَع النَّبىِّ ﷺ فى غَزْوةٍ ، ونَحْنُ سِتَّةُ نَفرٍ ، بَيْننَا بَعيرٌّ نَعْتَقِبُهُ (نركبه) فَنَقبتْ أَقْدامَنا ونَقِبتْ قَدَمَاى وسَقَطتْ أَظْفَارِى ، وكُنَّا نَلفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الخِرَقَ ؛ فَسُمِّيتْ غَزْوةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنَ الخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا" ، وقيل أنها سميت بهذا الإسم لأن أراضيها وجبالها ذات ألوان مختلفة على شكل بقع كأنها الرقاع .
- لم يحدث قتال ؛ وقذف الله الرعب والخوف فى قلوب أهل غطفان وآثروا ألا يدخلوا فى صراع مع المسلمين ، وفروا هاربين ، وتركو خلفهم النساء والأبناء والذرية والأموال ، وفى تلك الأثناء أدركت الصلاة المسلمين ، فهموا بأدائها ؛ ولكن خشى النبى ﷺ أن يعود رجال غطفان فينقضوا على المسلمين على غفلة وهم يؤدون الصلاة ، فنزلت آية صلاة الخوف لحفظ الأمن لجيش المسلمين ، قال الله تعالى : ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (102) ﴾ النساء . انتهت الصلاة وعاد النبى ﷺ والمسلمين إلى المدينة بعد أن أمَّن حدود المدينة ، وأخضع القبائل المتمردة ، واستعاد المسلمون حقوقهم وهيبتهم بين القبائل العربية .
- جاء موعد أبو سفيان حيث قال عند انصرافه من غزوة أحد : "مَوعِدكُم وإيَّانا العام المُقبل ببدر" . كان هذا العام عام جدب على أهل مكة ، وعام خير على أهل المدينة فقبل أن يخرج أبو سفيان أرسل يهدد المسلمين فى المدينة بجيش لم يحدث فى جزبرة العرب ، وأن هذه آخر حرب بينه وبين المسلمين ، وانتشر الخبر فى المدينة ، بدأ البعض يتردد فى الخروج كى لا يحدث كما حدث فى معركة أحد ، ولكن النبى ﷺ أصر على الخروج وعلى الموعد الذى حدده أبو سفيان وقال : "لأخرجن ، ولو خرجت وحدى" حتى لا يقال أن المسلمين خافوا من لقاء قريش . خرج النبى ﷺ والمسلمون معه حتى وصلوا إلى المكان المتفق عليه فى منطقة (ماء بدر) ، وأقاموا فيها ثمانية أيام فى انتظار جيش قريش بقيادة أبو سفيان . علم أبو سفيان بخروج النبى ﷺ ، وما كان يريد الخروج . خرج أبو سفيان ومعه ألفين من المقاتلين حتى وصل إلى منطقة يقال لها "مر الظهران" ، وخطب فيهم قائلا : "يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن ، وإن عامكم هذا عام جدب ، وإنى راجع فارجعوا" ، فعادوا مع أبو سفيان إلى مكة ، ومكث النبى ﷺ فى مكانه ثمانية أيام ينتظر جيش قريش ، ثم عاد النبى ﷺ ومن معه إلى المدينة . سمعت العرب بعودة جيش قريش دون ملاقاة المسلمين مما زاد من قوة المسلمين وإعادة هيبتهم ، والخزى والعار على قريش ، وسميت هذه الغزوة (بدر الآخرة) .
- بعد ذلك حدثت غزوة دومة الجندل بشأن القبائل التى تقيم فى هذه المنطقة شمال المدينة والتى تقوم بقطع الطريق والسلب والنهب لكل من يمر بهم ، وهى مكان بين الحجاز والشام ، فجهز النبى ﷺ سرية ، وخرج المسلمون حتى وصلوا إلى دومة الجندل فلم يجدوا أحدا ، فقد فرَّ أهالى دومة الجندل هاربين من جيش المسلمين ، ورجع المسلمون إلى المدينة سالمين دون قتال وقد اغتنموا الكثير من هذه الغزوة ، بهذه الغزوة تم تأمين المدينة من الجهة الشمالية ، وتأمين الطرق التجارية لوقوع دومة الجندل فى طريق القوافل التجارية ، وإظهار قوة وسطوة المسلمين ، واتساع مناطق نفوذ المسلمين .
8- فتح مكـــــة
- يسمى بالفتح الأعظم لأنه حدث تاريخى تم فيه فتح مكة على يد النبى ﷺ . أراد الحق تبارك وتعالى أن يدخل النبى ﷺ والمؤمنون معه مكة فى العشرين من رمضان سنة ثمان للهجرة فاتحين لها ومطهرين لها من الأوثان بعد اضطهاد قريش للمسلمين ، وعداءهم للإسلام .
- علم النبى ﷺ بأن بنو بكر الذين دخلوا فى عهد قريش بعد صلح الحديبية أغاروا على جماعة من خزاعة الذين دخلوا فى عهد النبى ﷺ بعد صلح الحديبية وقتلوا عدد منهم ، وفر الباقون إلى مكة ، فأرسلت خزاعة إلى النبى ﷺ تخبره بالأمر وأن قريشا غدرت بحلفائها .
- لذلك أمر النبى ﷺ بالإستعداد ، والتجهز للخروج إلى مكة لنصرة حلفائهم خزاعة واوصى بكتمان الأمر عن قريش حتى يباغتها جيش المسلمين .
- أدركت قريش خطورة ما أقدمت عليه نقض بنود الصلح فأنطلق أبو سفيان بن حرب زعيمها إلى المدينة لتجديد الصلح مع الرسول ﷺ ، ولكنه علم أن الرسول ﷺ عزم على الغزو وأمر بالتجهز له .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛