دروس وعبر | السِّيرَة النَّبويَّة فى رحاب المصطفى المختار (الجزء الثانى)
السِّـيرَة النَّبـَوية (الجزء الثانى)
فى رحاب المُصْطفَى المختار
- غزوة بدر الكبرى
- غزوة السويق
- غزوة أحـــد
- غزوة بنى أسد
- غزوة الخندق
- غزوة بنى قريظة
- غزوة بنى الحيان ، غزوة ذى قرد
- غزوة بنى المصطلق
- غزوة مؤتة
- غزوة تبوك
- وصلت أخبار إلى النبى ﷺ أن قافلة لقريش بها أموال كثيرة وثروات هائلة تقدر بألف بعير ، اشترك فيها جميع أشراف مكة ، وقد خشى النبى ﷺ أن تفوته هذه القافلة كما فاتته فى ذهابها إلى الشام ، فندب الناس للخروج لأخذ هذه القافلة فتكون ضربة قاصمة لقريش .
- عَلِمَ أبو سفيان بِخروج النبى ﷺ لإعتراض القافلة ، فغيَّر طريقه واتجه إلى ساحل البحر ، وأسرع فى سيره مبتعدًا عن الطريق المعتاد ، وأرسل رجلاً يقال له ضَمْضَم بن عمرو الغِفَارى يستنفر رجال قريش لإنقاذ أموالهم ، فوصل ضَمْضَم إلى مكة وأخذ يصرخ واقفَا على بعيره وقد جدع بعيره وحول رحله وشَقَّ قميصه ، وهو يقول : "يامَعْشر قُريش ، اللَّطيمة اللَّطيمة ، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها مُحمَّد وأصحابه لا أرى أن تُدركُوها الغَوْث الغَوْث" فأسرع أبو جهل يستنفر جميع أهل قريش .
- تجهزت قريش للخروج بأسلحتهم وعِتَادهم ، فلم يبقى متخلف قادر على القتال إلا أبا لهب .. وكان عدد المشركين الذين خرجوا بين التسعمائة والألف ، أما المسلمون الذين خرجوا مع النبى ﷺ فقد كانوا خمسة وثلاثمائة رجل ، منهم ثلاثة وثمانون من المهاجرين ، وواحد وستون من الأوس ، والباقون من الخزرج ، وكان معهم سبعون بعيرًا فقط يتعاقبون عليها .
- عندما علم النبى ﷺ بخروج قريش برجالها وعتادها ، فاستشار الناس ، فتكلم أبو بكر ، وتكلم عمر ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك نقاتل ، وسكت الناس ، فقال النبى ﷺ : أشيروا علىّ أيُّها الناس - فقال سعد بن معاذ سيد الأوس : لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال : أجل ، قال سعد : لقد أمنَّا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض لما أردت فنحن معك ، فو الذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، إنَّا لصُبر فى الحرب صدق فى اللقاء ، لعل الله يُريك منَّا ما تقر به عينك ، فَسِر بنا على بركة الله .. فأشرق وجه النبى ﷺ وقال : سيروا وأبشروا ، فإن الله وَعَدنى إحْدى الطائفتين ، والله لكأنى الآن أنْظر إلى مَصارع القَوْم ..
- تحرك الرسول ﷺ بالمسلمين حتى وصلوا قريبًا من ماء بدر ، فأرسل النبى ﷺ علىّ ابن أبى طالب ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحابه إلى ماء بدر يَتَلمسون له خبر القوم ، فعلموا أن قريشًا وراء الكثيب (تل من الرمل) بالعُدوة القُصْوى ، وأنهم ينحرون من الجِمَال يومًا تسعة ويومًا عشرة ، فاستنبط النبى ﷺ من ذلك أنهم بين تسعمائة والف فقال لأصحابه : هذه مَكة قد ألْقَت إليْكم أفلاذ أَكبادِها ..
- أصبح الغد والمسلمون ينتظرون مرور قافلة أبى سفيان ، وإذا بالأخبار تصلهم أن أبا سفيان غير طريقه وفاتتهم القافلة ، وأن جيش قريش هو الموجود وراء الكثيب .. ولما نجا أبا سفيان بقافلته وعلم بخروج قريش أرسل إليهم يدعوهم للعودة إلى مكة ، ولكن أبا جهل ثار حين سمع ذلك وصاح قائلاً : والله لا نَرْجع حتى نرد بدرًا فنقيم عَليْها ثلاثًا ننحر الجُزر ، ونطعم الطَّعام ، ونَسْقى الخمر ، ويعزف علينا القِيعَان ، وتسمع بِنَا العرب .
- وصل النبى ﷺ ماء بدر ، ولكن الحُباب بن المُنْذر أشار على النبى ﷺ قائلاً : يا رسول الله ، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزل ونبنى عليها حوضنا فنملؤه ثم نغور ما وراءه من القلب (أى كبسها بالتراب حتى ينضب ماؤها) ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا .. فأخذ النبى ﷺ بمشورة الحُباب ، وبنى له عريش يستريح فيه ..
- لما رأت قريش ما فعله رسول الله ﷺ ورأت أن معه عدد قليل لا يزيد على الثلاثمائة ، طمعت فى استأصال شأفتهم .. واندفع الأسود بن عبد الأسد المخزومى من صفوف قريش يريد هدم الحوض الذى بناه المسلمون ، فعاجله حمزة بن عبد المطلب بضربة أطاحت بساقه ، ثم عاجله بضربة أخرى قضت عليه .
- لما سقط الأسود غَضب عُتْبة بن أبى ربيعة ، وأخذ أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة ، ودعا إلى المبارزة ، فخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب ، وعلى بن أبى طالب ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، والتقى الخصمان فقتل حمزة شيبة ، وقتل علىّ الوليد بن عتبة ، ، ثم أعانا عبيدة بن الحارث على قتل عُتبة .. فلما رأت قريش ذلك زحفوا على المسلمين .
- أخذ النبى ﷺ يعدل صفوف المسلمين فى مواجهة جيش قريش ، فلما رأى كثرة رجال قريش ، وقلة عدد رجاله ، عاد إلى العريش ومعه أبو بكر واستقبل القبلة يدعوا : "اللَّهم هذه قُريش قد أَتت بِخيلائها تُحاول أن تُكذب رسولك ، اللَّهم نَصرك الذى وعدتنى ، اللَّهم إنْ تَهلك هذه العِِصَابة من أهل الإسلام لا تُعبد فى الأرض" أخذ يدعوا ويناجى ربه حتى سقط رداءه ، فأخذه أبو بكر ووضعه على كتفيه ﷺ وقال له : يا رسول الله بعد مناشدتك ربك إنه مُنجِزُك ما وعدك ، ثم مكث النبى ﷺ قليلا ثم استنار وجهه وقال : "أبْشِروا والذى نفس مُحمَّد بيده ، لا يُقاتلهم اليوم رجلٌ فَيُقْتل صابرًا مُحتَسبًا مُقبلا غير مُدبر إلا أَدْخله الله الجنَّة" .
- بدأت المعركة وقال النبى ﷺ لأصحابه : "منْ لقى منكم العبَّاس فلا يَقتله فإنه خرج مُسْتكرها .. ومن لقى أحدًا من بنى هاشم أو بنى عبد المُطلب فلا يَتَعرض له" .. يريد النبى ﷺ بذلك أن يرد لهم المعروف حيث نصروه ومنعوه من قريش ، وتربص المسلمون بسادات قريش وزعمائها وحمى وطيس المعركة ، ورأى بلال بن رباح (رضى الله عنه) أمية بن خلف فصاح به : أميه بن خلف لا نَجوْت إن نجا وانقض عليه حتى قتله .. وقتل معاذ بن عمرو بن الجموح أبا جهل ، وأخذ النبى ﷺ حفنة من الحصى واستقبل بها قريش وقال : "شَاهتْ الوجوه" وقذفهم بها وقُتِل من قُتل من صناديد قريش ، وأُسر من أُسر وفرَّت قريش برجالها مهزومين مدحورين وانتهت المعركة بفوز المسلمين بسبعين قتيلا ، وسبعين أسيرًا ، ومصرع قادة الكفر من قريش ، وأقام المسلمون ببدر إلى آخر النهار فرحين بنصر الله .
- فى صباح اليوم التالى أمر الرسول ﷺ بجمع الغنائم وأرسل إلى أهل المدينة يبشرهم بالنصر ، فامتلات جميع بيوت أهل المدينة بالفرحة والسرور ، إلا أنه فى هذه الأثناء كان المسلمون عائدين من دفن السَّيدة رُقيَّة بنت رسول الله ﷺ التى كانت مريضة ، وتخلف زوجها عثمان بن عفان (رضى الله عنه) بأمر رسول الله ﷺ ليرعاها (رضى الله عنها) .
- قَسَّم الرسول ﷺ الغنائم بالسوية على من شهد بدرًا وجعل سهمًا لكل من طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد الذين أرسلهما النبى ﷺ ليبشرا أهل المدينة بالنصر ، وكذلك جعل سهمًا لعثمان بن عفان الذى تخلف عن الغزوة ليُمرِّض زوجته رقية .
- دخل النبى ﷺ المدينة ومعه المسلمون وأمر أصحابه بالإحسان إلى الأسرى ، حتى يفكر فى أمرهم ، أيقتلهم ، أم يأخذ الفداء ؟ واستشار أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ، أما أبو بكر (رضى الله عنه) قبل الفداء وحاول أن يستعطف النبى ﷺ ويذكره بصلة الرحم والقرابة ، إلا أن عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) كان رأيه ضرب رقابهم لأنهم رؤوس الكفر والضلال ، فكان البعض من المسلمين يؤيد رأى أبى بكر والبعض الآخر يؤيد رأى عمر بن الخطاب ، وترك الرسول ﷺ الناس يتشاوروا ودخل حجرته فمكث ساعة ثم خرج فرأى المسلمون قد انتهوا بقبول الفداء ، ولكن ينزل الوحى على الرسول ﷺ موافقًا لقول عمر (رضى الله عنه) : ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) ﴾ الأنفال .
- وصل الخبر إلى قريش بما حلَّ بساداتهم وكبرائهم وأشرافهم من القتل والأسر والخِزْى والهزيمة ، حتى مات أبو لهب بعد سبعة أيام من هول الصدمة ، أما بالنسبة للأسرى ، فلم تجد قريش إلا أن تفدى أسراها ، وكان من بين الأسرى أبو العاص بن الربيع زوج السَّيدة زينب بنت رسول الله ﷺ وكان ما زال على شركه ، وأرسل أهل مكة الأموال لفداء أسراهم ، وأرسلت السيدة زينب الزوجة الوفية ما قدرت عليه لفداء زوجها المشرك ، وكان من بين ما أرسلته قلادة كانت قد أهدتها لها أمها السيدة خديجة (رضى الله عنها) بمناسبة زواجها ، ورأى تلك القلادة النبى ﷺ فحرَّكتْ أشجانه وهيَّجت ذكراه ، ورق لها رقة شديدة ، ورأى الصحابة ذلك فى وجه النبى ﷺ فأطلقوا الأسير بغير فِداء بعد أن وعد النبى ﷺ بالسماح لزوجته بالهجرة إلى المدينة وكانت بمكة .
- مضت الأيام وخرج أبو العاص بن الربيع فى تجارة لقريش ، ووقعت القافلة فى أيدى المسلمين ، وفر أبو العاص هاربًا ، ولجأ إلى بيت زوجته مستجيرًا بها ، وعلم النبى ﷺ بذلك فقال لها : "يا بُنيتى ، أكْرمى مثواه ولا يَقْربنَّك فإنك لا تحلين له" قالت : إنما جاء ليطلب ماله .. فعرض النبى ﷺ الأمر على أفراد السرية التى استولت على القافلة فقرروا رد الأموال إليه .
- عاد أبو العاص بأموال قريش وردها إلى أصحابها ، وأعلن إسلامه وهاجر إلى المدينة ليلحق بزوجته الوفية الصابرة ، والتأم شمل الأسرة من جديد فى سماحة الإسلام .
2- غَـزوة السَّويق
- حدثت هذه الغزوة بعد شهر من إجلاء بنى قينقاع ، حلف أبو سفيان ألا يتطهر من جنابة ، ولا يمس الدهن جلده حتى يغزو المدينة ، ويثأر من النبى ﷺ وأصحابه لموقعة بدر الكبرى والتى قُتل فيها كبراء قريش وزعمائهم ، فخرج فى مائتى راكب فى إتجاه المدينة ، وفى الطريق وجد حرث وفيه رجلا من الأنصار وحليف له فقتلهما أبو سفيان وحرق بيتيهما ، فشعر بالخوف وولى هاربًا .
- وصل الخبر إلى النبى ﷺ فخرج فى عدد من أصحابه ، وعندما علم أبو سفيان بخروج النبى ﷺ فى أثره فجعل يرمى مؤونته هو ورجاله ، وكانت جرب السويق ، وهو عبارة عن قمح أو شعير يُقلى ثم يطحن ليسف تارة بالماء وتارة بسمن .. فلما وصل النبى ﷺ وأصحابه وجدوا القوم قد فروا ، فأخذ المسلمون ما خلفوه وراءهم من سويق ، لذلك سميت هذه الغزوة غزوة السويق . فكانت خزى وعار على أبو سفيان ، واسترداد المسلمين لحقوقهم وزيادة قوتهم أمام القبائل العربية .
- بعد هزيمة قريش النكراء فى (غزوة بدر) ومرور عام على هذه الغزوة ، فكرت قريش فى تجهيز جيش كبير فى عدده وعدته للثأر والإنتقام لقتلاهم من أشراف قريش وساداتها الذين قُتلوا فى (غزوة بدر) ، واستنفرت القبائل التى حولها للثأر من المسلمين ، وأصرت نساء قريش على أن يخرجن مع الجيش لتشجيع الرجال وتذكيرهم بقتلاهم فى بدر ، ولكى يحرص الرجال على عدم الفرار من المعركة مهما اشتد القتال ، وكان عدد الذين خرجوا للمعركة ثلاثة آلاف رجل - منهم سبعمائة دارع ، وثلاثة آلاف بعير ، ومائتى فرس .
- علم العباس بن عبد المطلب بتفاصيل وتجهيز جيش قريش ، وكان حافظًا لجميل ابن أخيه ﷺ وحسن معاملته له عندما وقع فى الأسر يوم بدر ، فكتب كتابا ذكر فيه الأعداد التى جهزتها قريش للحرب ودفعه لرجل من قبيلة غفار لتسليمه للنبى ﷺ قبل وصول جيش قريش ، وصل الكتاب إلى النبى ﷺ وعلم ما جاء فيه واستكتم الخبر ، وبعث من يتحسس أخبار قريش ، جاءت الأخبار بأن قريشا نزلت عند سفح جبل أُحد ، وأرسلت إبلها وخيلها ترعى على زروع المدينة المحيطة بها .
- خشى أهل المدينة ما فعلته قريش ، وتجمع أصحاب النبى ﷺ بالمسجد وعليهم السلاح خوفا عليه .. وفى الصباح جمع النبى ﷺ أهل الرأى من المسلمين ليتشاوروا فى حماية المدينة ، وحضر المنافقون الذين تظاهروا بالإسلام وعلى رأسهم عبد الله بن أبى بن سلول فقال : لقد كنا يا رسول الله نقاتل فى المدينة ونجعل النساء والأطفال فى الحصون ، ونجعل معهم الحجارة ، ونشبك المدينة بالبنيان ، فتكون كالحصن من كل ناحية ، فإذا أقبل العدو رمته النسوة والاطفال بالحجارة ، وقاتلناه بأسيافنا فى السكك ، فدعهم يا رسول الله وأطعنى فى هذا الأمر، فإنى ورثت هذا الراى من أكابر قومى ، وكان هذا هو رأى رسول الله ﷺ ورأى أكابر الصحابة من المهاجرين والأنصار .
- أما الذين شهدوا بدرًا وذاقوا حلاوة النصر ، وكذلك الفتيان ذوى الحمية والشجاعة الذين لم يشهدوا بدرا رأوا ملاقات العدو خارج المدينة ، فإما النصر أو الشهادة ، وحتى لا تجترئ القبائل عليهم ، ويُتهم المسلمون بالجبن والخوف ، فلما رأى ذلك النبى ﷺ نزل على رأيهم .
- دخل النبى ﷺ حجرته بعد صلاة العصر وكان يوم جمعة ، وكان قد أمرهم بالتجهز لملاقاة العدو ، وأخبرهم أن النصر مع الصبر ، ودخل معه أبو بكر ، وعمر (رضى الله عنهما) فعممَّاه ، وألبساه درعه ، وقلداه سيفه .. فى هذه الأثناء كان الناس يتجادلون بالمسجد ، فمنهم من أشار بالتحصن فى المدينة وقالوا لمن أرادوا الخروج : "النبى ﷺ يرى التحصن بالمدينة فقلتم ما قلتم واستكرهتموه على الخروج وهو كاره" فلما سمع الذين أرادوا الخروج هذا الكلام خافوا أن يكونوا خالفوا أمر رسول الله ﷺ ، فلما خرج عليهم لابسًا درعه مُتقلدا سيفه قالوا : ما كان لنا يا رسول الله أن نخالفك ، فاصنع ما بدا لك .. فقال النبى ﷺ : "ما يَنْبغى لنبى لَبِسَ لامته (لباس الحرب) أنْ يَضعها حتى يَحْكم الله بيْنه وبين أعدائه" .
- وفى يوم السبت السابع من شهر شوال فى العام الثالث للهجرة سار النبى ﷺ ومعه ألف مقاتل من المسلمون ، وفى الطريق غدر رأس المنافقين عبد الله بن أبى بن سلول بالمسلمين ورجع بثلاثمائة مقاتل لإيقاع البلبلة فى صفوف المسلمين ، لكن النبى ﷺ ومن معه واصلوا السير حتى بلغوا أحداً ، وجعلوه إلى ظهورهم ، وصفَّ النبى ﷺ أصحابه ، ووضع منهم خمسين رجلا من الرُّماة على شعب فى الجبل ، وقال لهم : "احْمُوا لنا ظهورنا ، وألزموا مَكانكم لا تبرحوا منه ، وإن رأيتمونا نَهْزمهم وندخل عليهم فلا تُفارقوا مَكانكم ، وإن رأَيْتُمونا نُقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنَّا ، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنَّبل ، فإن الخيل لا تُقدم على النبل" .
- أما قريش فصفت صفوفها وجعلت على الميمنة خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل ، وجعلت اللواء مع طلحة بن أبى طلحة ، وجعلت النساء يمشين بين الصفوف يضربن بالدفوف والطبول ويشجعن الرجال على القتال وعدم الفرار .
- التقى الفريقان ، وحاول عكرمة بن أبى جهل الذى كان على ميسرة جيش قريش ومعه رجلٌ يدعى أبو عامر كان من الأوس ولم يكن أسلم بعد ، أن يأخذوا المسلمين من جناحهم الأيمن ، فردهم المسلمون خاسئين ، وولى أبو عامر ومن معه مُدبرين .. كذلك حاول خالد بن الوليد أن يخترق جيش المسلمين ، فالتف بفرقة معه من فرسان قريش حول جبل الرُّماة إلا أنه فوجئ بسيل من السهام من فوق جبل الرماة فردوهم خائبين ، وحاول خالد بن الوليد مرات عديدة ، وفى كل مرة يفشل وترده الرماة من فوق الجبل .
- كان النبى ﷺ فى يده سيف وقال : "منْ يأْخذ هذا السيف بِحقه ؟" فقام إليه رجال كل منهم يريد أن يأخذه ، حتى قام أبو دجانة بن خرشة فقال : وما حقه يا رسول الله ؟ فقال ﷺ : أنْ تَضْرب به العدو حتى يَنْحنِى ، فأخذ أبو دجانة السيف وأخرج عصابة حمراء ، يسمونها عصابة الموت ، واندفع أبو دجانة فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله حتى شق صفوف المشركين .. وصاح حمزة بن عبد المطلب : أمت .. أمت ، فكان شعار المسلمين يومئذٍ ، واندفع إلى قلب جيش المشركين لا يلقى أحداً إلا قتله .
- عندئذٍ صاح طلحة بن أبى طلحة حامل لواء المشركين : هل من مبارز ؟ فخرج له على بن أبى طالب فبارزه فقتله .. وأخذ لواء المشركين رجل آخر من أبناء أبى طلحة فقتله حمزة بن عبد الطلب ، وتعاقب حملة اللواء من بنى عبد الدار حتى قُتل منهم تسعة ، حينئذٍ انكشف المشركون وولوا مدبرين تاركين وراءهم الغنائم .. وتشتت جيش المشركين .
- أغرت الغنائم التى تركها الفارون من جيش قريش بعض المسلمين ، وتركوا مطاردة المشركين وأخذوا يجمعون الغنائم التى فاقت كثرتها توقعاتهم ، ظن الرماة أن المشركين لن يعودوا إلى أرض المعركة ، وقرر بعضهم النزول وترك مكانهم لمشاركة إخوانهم فى جمع الغنائم .
- انهزم المسلمون فى بادئ الأمر نتيجة عصيان الرماة لأمر رسول الله ﷺ وقُتل عدد سبعين من الصحابة ، ومن أهل بيت النبى ﷺ ، منهم حمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير ، وعبد الله بن جحش ، وعمرو بن الجموح ، وحسيل بن جابر أبو حذيفة بن اليمان ، لذلك تعتبر غزوة أُحد الغزوة الوحيدة التى هُزم فيها المسلمون .
- فكانت غزوة أحد اختبار وتمحيص وابتلاء ، والغم الذى أصاب المسلمين كان شديد جدًا وحَزِنَ النبى ﷺ على أصحابه وأحبابه والمسلمين الذين فرُّوا والذين شغلهم جمع الغنائم والذين شغلتهم الدنيا ونزلت الآيات تطمئن النبى ﷺ والمسلمين : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) ﴾ آل عمران . ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) ﴾ آل عمران .
- وفى السادس عشر من شهر شوال أذن مؤذن النبى ﷺ فى المسلمين للخروج لملاحقة جيش قريش على ألا يخرج إلا من حضر القتال فى (أحد) ، وخرج المسلمون وبهم جراحات وإصابات .. فلما سمع أبو سفيان بخروج المسلمين وقع فى روعه أنهم جاءوا بمدد من المدينة ، وخاف من لقائهم فلجأ إلى حيلة ، فقد أرسل إلى النبى ﷺ من يخبره بأن أهل مكة أجمعوا على الذهاب إلى المدينة ليستأصلوا بقية المسلمين ، فلما بلغ الخبر النبى ﷺ لم يَضْعف عزمه ولم يهتز وظل فى مكانه فى (حمراء الأسد) ثلاثة أيام ليؤكد لقريش على عزمه فى انتظارهم ، مما جعل أبا سفيان يعود إلى مكة ومن معه من المشركين مكتفين بالنصر الذى حققوه ، ونزل قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) ﴾ آل عمران .
- كانت أحداث معركة أحد لها توابع ليست فى صالح المسلمين ، وكانت الفترة التى أعقبت غزوة أحد من أصعب الفترات التى مرت على المسلمين ، فلا شك أن موقعة أُحد قد هزت سُمعة المسلمين فى الجزيرة العربية كلها ، وبدأت القبائل العربية المحيطة بالمدينة تتربص بالمسلمين الدوائر .
- سمع النبى ﷺ بعد شهرين من غزوة أُحد بأن ناس من قبيلة بنى غطفان جمعوا الجموع لمهاجمة المدينة وأرادوا الإستيلاء على الأغنام والأنعام التى تسرح خارج المدينة وكان على رأسهم طلحة بن خُويلد الأسدى وسلمة بن خويلد الأسدى ، لذلك جهز غزوة تسمى غزوة بنى أسد وأعطى اللواء أبو سلمة بن عبد الأسد ، وأعطاه مائة وخمسون راكب وقال له : سِير ليلاً وتخفَّى حتى تُغير على القوم صباحًا وتفجأهم ، وكان معه كثير من الصحابة ، وكان فيهم سعد بن أبى وقاص ، وأبو عبيدة بن الجراح . غار أبو سلمة بن عبد الأسد على القوم وهم مجتمعون وشتتهم ، وفر القوم وتركوا غنائمهم ، واستولى عليها أبو سلمة بن عبد الأسد ورجع بهم إلى المدينة .
- بلغ النبى ﷺ بأن بنى هزيل تحت قيادة خالد بن سفيان الهَزَلى جمع الجموع لمهاجمة المدينة ، فأتى النبى ﷺ بعبد الله بن أنيس وأرسله ليرى ما يفكر فيه هؤلاء القوم ، صادف عبد الله بن أنيس خالد الهزلى وكان معه مجموعة من النساء رهائن يبحث عن منزلا لهن ينزلهن فيه ، فانتظر بعيدا بأناسه وذهب إليه منفردا وقال لخالد الهزلى : ما رأيك يا خالد فيما يحدث هاهى قريش انهزمت وهذا الرجل جاء فينا وعمل ونحن غير آمنين على أنفسنا (يستدركه) ، ثم شهر السلاح فى وجهه فقتله وترك النساء يبكينه ، ورجع إلى المدينة .
- علمت هزيل بما حدث ، ففكروا فى حيلة ينتقموا بها لمقتل خالد بن سفيان الهزلى وهو من قبيلة بنى لحيان ، فأرسلوا مجموعة من الناس للنبى ﷺ فى المدينة وأعلنوا إسلامهم وقالوا للنبى ﷺ : يا رسول الله أرسل معنا من يعلمنا ديننا ويقرؤنا القرآن ، فاختار لهم النبى ﷺ ستة من الصحابة الحكماء والقراء منهم عاصم بن ثابت ، خبيب بن عدى ، عبد الله بن طارق ، زيد بن الدثنة ، أخذوهم وذهبوا بهم فى اتجاه نجد ، عند ماء يسمى الرجيع ، واستراحوا قليلا ثم غدروا بهم واستصرخوا بعض القبائل عليهم من هزيل فأتى مائة رجل من أمهر الرماة وحاصروهم ، فأشهر صحابة رسول الله سيوفهم ، ولكنهم نادوا عليهم قائلين : لا نريد قتلكم ، لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلا واحدا ، قالوا ذلك لأنهم يريدون أن يسلِموهم لقريش مقابل مالاً . قال عاصم بن ثابت : أمَّا أنا فلا أَنْزل فى جوار مُشْرك فلقد عاهدت الله منذ أنْ أسْلمت ألا أمسَّ مُشركًا ولا يمسَّنى مشرك .. اللَّهُم فأخبر عنَّا نبيك ..
- بدأ القتال بينهم وبين الرماة وأخذ الرماة يرمونهم متحرين أميرهم عاصم بن ثابت الذى حرضهم على الثبات فقتلوا منهم ثلاثة ، ولم يبقق إلا ثلاثة : خبيب بن عدى ، وزيد بن الدثنة ، وعبد الله بن طارق ، فأوثقوهم ، وأخذوهم ليبيعوهم بمكة ، فقاومهم عبد الله بن طارق فقتلوه ، وأرسل أهل مكة جماعة لتأتيهم بجثث القتلى ، والبحث عن جسد عاصم بن ثابت الذى قتل مُسافح بن طلحة وأخيه كلاب بن طلحة ، ولكن القوم وجدوا سرب عظيم من الدبر يُظلل جسد عاصم ولم يستطيعوا الإقتراب منه ، وأرسل الله مطرًا شديدًا حمل هذا الجثمان الطاهر حيث لا يقدر عليه أحد ، ولا يعلم مكانه أحد ، أما زيد بن الدثنة فقد اشتراه صفوان بن أمية ليقتله لمقتل أبيه أمية بن خلف الذى قتل فى بدر ، وقُتل مُصلوبا ، أما خُبيب بن عدى فاشتراه بعض المشركين وحبسوه حتى انقضاء الشهر الحرام ثم ذهبوا به إلى التَّنعيم وقتلوه . علم النبى ﷺ بما حدث لهؤلاء الرجال الستة فحزن عليهم حزنا شديدا .
- أيضا حدثت حادثة غريبة جدا ، جاء رجل إلى الرسول ﷺ يسمى أبو براء عامر بن مالك وكان مشركًا ، كان له هيبته فى قبائل نجد ، ومشهور عنه أنه لا يُخفر أى إن أجار أحدا احترم الجميع إجارته وكانوا يطلقون عليه (ملاعب الأسنة) . عرض عليه النبى ﷺ الإسلام فأبى وقال له : لست معك ولا ضدك لك شأنك ولى شأنى ولكن أعرض عليك أمراُ أن ترسل رجالا من عندك إلى نجد يدعوا القبائل ويعلمونهم ، رد عليه النبى ﷺ : لكى يفعلون بهم كما فعلوا بأصحاب الرجيع ، فقال للنبى ﷺ : أنا جار لهم ، فاطمأن النبى ﷺ لجوار أبو براء عامر بن مالك .
- بعث النبى ﷺ المنذر بن عمرو من بنى ساعدة فى سبعين من خيرة الصحابة من القراء والحفظة والعلماء والحكماء منهم حرام بن ملحان ، وعامر بن فهيرة ، فنزلوا بئر معونة ، وبعثوا حَرَام بن ملحان بكتاب من رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل يدعوه للإسلام ، ولكن عامر بن الطفيل كان رجلا شريرا فقتل حرام بن ملحان دون أن يقرأ كتاب رسول الله ﷺ واستصرخ بنى عامر ليقتلوا السبعين رجلا ، ولكن بنو عامر رفضوا أن يخفروا أبو براء عامر بن مالك فى جواره وقالوا : إن أبو براء عامر بن مالك قد أجارهم ، فاستصرخ عامر بن الطفيل قبائل أخرى فاستجاب له رعل وزكوان وقصى وحاصروا السبعين رجلا فى بئر معونة وقتلوهم جميعا وكان فيهم المنذر بن عمرو زعيمهم ، ولم ينجى منهم إلا ثلاثة ، واحد منهم اعتقدوا أنه ميت هو كعب بن زيد وكان به جراح ، وإثنين كانوا يرعوا بالصرح بعيدًا عنهم ، عمرو بن أمية ومعه المنذر بن عقبة ، وإذا بهم يشاهدوا طيور تحوم حول المكان ، فذهبوا يستطلعوا الخبر ، فإذا بهم يرون أصحابهم قد قتلوا جميعا وعددهم ثمانية وستون ، فأما المنذر بن عقبة قاتل حتى قُتل ، وأما عمرو بن أمية فقد أسره عامر بن الطفيل ، ثم أعتقه لرقبة كانت عن أمه ، وفى الطريق لقى عمرو بن أمية رجلين من بنى كلاب وهم فرع من بنى عامر فنزلا معه فى ظل شجرة فخاف منهما فقتلهما ، وكان معهما عهد من النبى ﷺ لم يعلم به عمرو ، وقدم على النبى ﷺ فأخبره بما حدث فقال ﷺ : "لقد قَتلْت قَتيلين لأَدِيَنَّهُمَا" ، وقرر النبى ﷺ أن يُعطى الدية لهذين القتيلين اللذين قُتلا عن طريق الخطأ .
- حزن النبى ﷺ حزنا شديدا لمقتل السبعين من القُرَّاء والدعاة ، وظل يقنت شهرا كاملا فى صلاة الفجر يدعو على عامر بن الطفيل ورعل وزكوان وعصى ، فقد كانت مأساة بئر معونة قاسية على المسلمين ، ومن قبلهم مأساة الرجيع ، ومن قبلها السبعون الذين استشهدوا فى أُحد .
5- غَـــزوة الخَنـْـــدق
- قرريهود بنى النضير الذين أجلاهم الرسول ﷺ عن المدينة الثأر من المسلمين عن طريق تأليب العرب عليهم ، ومحاربتهم والقضاء عليهم ، فذهب زعماؤهم ، حُيى بن أخطب وسلام بن أبى الحقيق ، وكنانة بن أبى الحقيق إلى قريش وزعموا أنهم على استعداد لمشاركتهم فى قتال المسلمين .. وافقت قريش بعد أن اطمأنت لموقف اليهود ، لم يكتف اليهود بالإتفاق مع قريش بل خرجوا إلى قبائل غطفان ، وبنى مرة ، وبنى فزارة ، وبنى سعد ، وبنى أسد يحرضونهم على قتال المسلمين ، وتجمعت الأحزاب حتى وصلت إلى عشرة آلاف مقاتل بقيادة أبى سفيان .
- وصل الخبر إلى النبى ﷺ وبلغ المسلمين فى المدينة ففزعوا فزعًا شديدًا ، فكيف يواجهون هذه الأعداد الضخمة ، ولم يتجاوز عددهم ثلاثة آلاف مقاتل ونزل قول الله تعالى : ﴿ إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) ﴾ الاحزاب .
- اجتمع الرسول ﷺ بالأنصار والمهاجرين للتشاور فى هذا الأمر الجلل ، وكيف يتصرفون أمام هذه الجموع الكبيرة .. هنا ظهر سلمان الفارسى وكان يعرف من أساليب الحرب مالم يعرفه العرب ، وأشار على النبى ﷺ بحفر خندق حول المدينة ، وتحصين منازل المدينة من الداخل ، وإخلاء المنازل المواجهة للخندق مباشرة ، وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سَلْع .
- وصلت الأحزاب إلى المدينة ، وإذا بها تفاجأ بوجود خندق لم تتوقعه ، مكثت الأحزاب عدة أيام ولكنها بدأت التراشق بالنبال مع المسلمين ، ولكن بعض المشركين حاولوا اقتحام الخندق ، وكان على رأسهم أحد أبطال المشركين هو عمرو بن ود ومعه عكرمة بن أبى جهل وضرار بن الخطاب ونجحوا فى اقتحام الخندق من مكان ضيق ، ولكن على بن أبى طالب تصدى لعمرو بن ود وقَتله ، وفرَّ الباقون .
- استمر الحصار شهرا كاملا ، وكانت قريش تتوقع نصرا سريعا كما حدث يوم أُحد ، وكان الجو شديد البرودة فى هذه الأيام ، وعندما طال الحصار رأى حُيى بن أخطب زعيم يهود بنى النضير أن يقنع بنى قريظة بنقض العهد مع النبى ﷺ والتحالف مع الأحزاب وقطع التموين عن المسلمين ، وفتح الطريق لهم لدخول المدينة ، وقد كانوا عاهدوا النبى ﷺ أن يمدوا المسلمين بالثمار وقت الحصار .
- علم النبى ﷺ بأن بنى قريظة نقضت عهدها فحزن النبى ﷺ حزنا شديدا ، وعظم البلاء واشتد الخوف ، وزُلزل السلمون زِلزالاً شديدا ، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، أما المنافقون فاستأذنوا الرسول ﷺ فى العودة إلى بيوتهم ، وأخذت قريش ومن معها من الأحزاب يوقدون النيران طوال الليل لتخويف المسلمين .
- فكر النبى ﷺ فى فك هذا التحالف وأرسل إلى زعيم قبيلة غطفان يعرض عليه أن يعتزل الحرب ، ويرجع وله ثلث ثمار المدينة فوافق على ذلك ، ولكن النبى ﷺ أرسل إلى زعيمى الأوس والخزرج سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يعرض عليهما ذلك الإتفاق ، ولكنهم قالا : يا رسول الله أهو أمر تحبه فنصنعه أم أمر أمرك به الله فلا بد أن نعمل به أم هو أمر تصنعه لنا قال النبى ﷺ : بل هو أمر أصنعه لكم فقد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم حربتهم وأقلل من عددهم . قال سعد بن معاذ : يا رسول الله ، لقد كنا وهؤلاء القوم على الشرك ، وعبادة الأوثان والأصنام ، فمن الله علينا بالإسلام ، وأعزنا بك وبه .. أفنعطيهم ثلث ثمار المدينة ؟ والله ما لنا بحاجة بهذا ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم .. فسُّر النبى ﷺ ، ولم يتم الإتفاق مع غطفان واستعد المسلمون للحرب .
- كان المسلمون قد عمهم الحزن والأسى وغلب عليهم اليأس ، وإذا برجل من قبيلة غطفان يسمى نعيم بن مسعود قد أسلم ولم يعلم قومه بإسلامه يأتى إلى النبى ﷺ ويقول له : إنى أسلمت ولم يعلم قومى بإسلامى فمرنى بما شئت .. قال النبى ﷺ : إنما أنت فينا رجل فخذل عنَّا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة .. فخرج نعيم وبذكائه وحكمته إستطاع أن يخدع يهود بنى قريظة ، وقريش ، وقبيلة غطفان حتى دبت الفرقة بين قريش واليهود وغطفان ، وتفتت الأحزاب ، وأرسل الله عزَّ وجلَّ ريح شديدة وقاسية البرودة على المشركين فاقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم مما دفع أبو سفيان للعودة دون قتال ، وأما طليحة بن خويلد زعيم غطفان فألقى الرعب فى قلبه وظن أن المسلمون هجموا عليهم ونادى فى قومه النجاة النجاة ، وفروا هاربين ، ونزل قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) ﴾ الأحزاب . وعاد أهل المدينة من المهاجرين والأنصار إلى بيوتهم آمنين فرحين بنصر الله .
- حينما رجع المسلمون من غزوة الخندق فرحين بنصر الله لهم ، ورد الله الأحزاب خاسئين لم ينالوا خيرا ، وأراد الرسول ﷺ العوده إلى بيته ويخلع ملابس الحرب ليستريح من التعب والمشقة فى هذه الغزوة ، ولكن ينزل جبريل (عليه السلام) ويقول للنبى ﷺ : إنَّ الله يأمرك أن تذهب إلى بنى قريظة الآن الذين نقضُوا عهدهم ، فخرج النبى ﷺ إلى أصحابه وقال لهم : "منْ كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُصلينَّ العصر إلاَّ فى بنى قريظة" ، فانطلق المسلمون فى ثلاثة آلاف مقاتل إلى حصن بنى قريظة .
- حاصرهم النبى ﷺ خمسًا وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار وقذف فى قلوبهم الرعب ، وأيقنو أن الرسول غير منصرف عنهم حتى يحاربهم ، وتشاور القوم فيما بينهم على أن يعرضوا على النبى ﷺ أن يتركهم يرحلوا إلى أذريعات بالشام كما فعلت بنو النضير ، ولكن النبى ﷺ أبى عليهم هذا العرض ، وأشاروا إلى وساطة عبد الله بن أبى ابن سلول ، وسعد بن عبادة حتى يعفوا عنهم النبى ﷺ ، ويوافق على جلائهم عن المدينة .
- طلب النبى ﷺ من اليهود أن يختاروا رجلا من حلفائهم الأوس يكون حكمًا بينه وبينهم ، فاختاروا سعد بن معاذ ، وقد نسوا تحذيره لهم ووقوعهم وسبهم النبى ﷺ . ذهب جماعة من الأوس إلى سعد حيث كان مصابًا يداوى من جرحه الذى أصيب به فى غزوة الخندق ، وقالوا له : يا أبا عمرو أحسن فى مواليك ، فإن رسول الله ولاك لتحسن فيهم .. قال سعد : إنى أحكم فيهم أن تُقْتل الرِّجال ، وتسبى الذرارى والنساء ، وتقسم الأموال ، قال النبى ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات" ولم يكن بنو قريظة يتوقعون هذا الحكم من سعد بن معاذ حليفهم ، وحكم بقتل الرجال ، وسبى النساء والذرارى .
- كانت إحدى سبايا بنى قريظة ريحانة بنت زيد بن عمرو من يهود بنى النضير ، وكانت متزوجة رجلا من بنى قريظة يقال له الحكم ، وكان محبًا لها يُكرمها ويحسن إليها ، وكانت إمرأة جميلة ، وقعت فى سهم النبى ﷺ وعرض عليها الإسلام وأن يتزوجها ، فقالت بل تتركنى فى ملكك ، ثم ما لبث أن جاء ثعلبة بن سَعْية يبشر النبى ﷺ بإسلام ريحانة ، فسر النبى ﷺ لذلك ، وبقيت فى ملك النبى ﷺ حتى توفى عنها .
- بعد رحيل الأحزاب عن المدينة ، خرج النبى ﷺ فى مائتين من الصحابة لتأديب بنى لحيان ، والثأر لشهداء ماء الرجيع الذين قُتلوا جراء غدرهم وخيانتهم . بنى لحيان الذين حاصروا السرية المكونة من عشرة أفراد التى بعثها النبى ﷺ ليتتبعوا أخبار قريش يوم الرجيع وأمَّرَ عليها عاصم بن ثابت ، وقالوا لهم : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلا واحدا ، ولكنهم غدروا بهم وقاتلوهم ، وقَتلوا منهم سبعة ، وبقى ثلاثة ، أوثقوهم ، وأخذوهم وباعوهم فى مكة .
- لذلك اتجه النبى ﷺ نحو الشمال وأخفى وجهته الحقيقية عن العيون التى تتربص بالمسلمين وتضليل الأعداء التى تنقل أخبارهم للمشركين بينما تقع بنى لحيان فى الجنوب ، وعندما وصل جيش المسلمين بالقرب من مساكن بنى لحيان حيث المكان الذى غدروا بأصحاب النبى ﷺ العشرة ، وأقام فيه النبى ﷺ يومين ، ولكن عيون بنى لحيان رصدت تحركات المسلمين ، وعندما علمت بنى لحيان بخروج النبى ﷺ بجيشه نحوهم لقتالهم فروا إلى رؤوس الجبال .
- وصل المسلمون إلى ديار بنى لحيان فوجدوها خاوية من المقاتلين ؛ فبعث النبى ﷺ بالسرايا لتعقبهم دون أن يجدوا أحدٍ منهم بسبب تحصنهم فى أعالى الجبال ، وبقى النبى ﷺ يومين لإثارة الرعب والهلع فى نفوسهم وإظهار لقوة المسلمين ، وانتشار الخبر بين الأعراب فتزداد هيبة المسلمين فى نفوسهم .
- أيضا قام النبى ﷺ بإرسال أبى بكر الصديق (رضى الله عنه) فى مائتى فارس نحو مكة لإرهاب قريش ، وعندما وصل إلى واد قريب من مكة يسمى عسفان دبَّ الرعب فى قلوب أهل مكة وظنوا أن الرسول ﷺ ينوى غزو مكة والقضاء عليهم وعلى أصنامهم ، ثم رجع الصديق (رضى الله عنه) ومن معه إلى الرسول ﷺ ، ورجع الرسول ﷺ بجيشه إلى المدينة .
- أما غزوة ذى قرد فقادها الرسول ﷺ بعد أيام قليلة من غزوة بنى لحيان ضد قبيلة غطفان وزعيمها عُيينة بن حصن الفزارى الذى أغار على إبل كانت ترعى فى منطقة الغابة من أطراف المدينة ، وكان مع الإبل راعى وزوجته فقتلوا الراعى وأخذوا زوجته أسيرة ، كان فى هذا المكان سلمة بن الأكوع وكان صيادا ، عندما علم بهذا الأمر اعتلى جبلا ونادى بأعلى صوته : يا صباحاه ثلاث مرات ثم لحق بهؤلاء القوم حاملا معه نُبله وسيفه حتى أدركهم عند موضع ماء ؛ وأخذ يمطرهم بنباله وسهامه حتى عجزوا عن مواجهته .
- وصل الخبر إلى النبى ﷺ فجهز جيشا قوامه خمسمائة وقيل سبعمائة مقاتل وسارعوا فى المسير حتى وصل الجيش إلى مكان سلمة بن الأكوع (رضى الله عنه) ، وعندما رأى القوم جيش النبى ﷺ تركوا الإبل وفروا هاربين ، واستطاع النبى ﷺ أن يسترد كثير من الإبل ، واستنقذوا المرأة ورجعوا بها ، وكان ذلك عند موضع ماء يسمى ذى قرد . قالت المرأة للنبى ﷺ : يا رسول الله لقد نذرت إن نجانى الله لأنحرن الناقة التى أركبها ، فقال لها النبى ﷺ : بئس ما جزيتيها حملك الله عيها وأنجاك بها ثم تنحرينها ، لا نذر فى معصية ولا فيما لا تملكين ، تلك ناقة من نوق المدينة .
- بلغ النبى ﷺ أن بنى المصطلق وهم فرع من قبيلة خزاعة ، يجمعون الجموع فى حيهم قريبا من مكة بقيادة الحارث بن أبى ضرار ، يريدون حرب رسول الله ﷺ ، ومهاجمة المسلمين فى المدينة ، وتمزيق صفوفهم ، فأسرع النبى ﷺ بتجهيز الجيش فى سبعمائة مقاتل وثلاثين فرساً ، وسار الجيش حتى وصل إلى ماء قريب من بنى المصطلق يقال له "المريسع" ثم أحاط بهم المسلمون وحاصروهم .
- عندما رأت القبائل التى أتت للإنضمام إلى بنى المصطلق ، قوة المسلمين ففروا هاربين ، وتركوهم يواجهون مصيرهم .. وأغار المسلمون عليهم وهم غافلون ، وأنعامهم تسقى على الماء ، فقَتَل مقاتلتهم وسبى سبيهم وغنائم وكان من ضمن السبايا جُوَيرية بنت الحارث بن أبى ضرار زعيم بنى المصطلق ، ولم يجد بنو المصطلق مفراً من الإستسلام .
- علم المنافقون بنصر المسلمين على بنى المصطلق فازدادوا غيظا ، وسعوا إلى إثارة العصبية والشحناء بين المهاجرين والأنصار ، ولما فشلت محاولتهم توعد عبد الله بن سلول رأس المنافقين بإخراج الرسول ﷺ من المدينة عند العودة إليها وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .
- سمع زيد بن أرقم مقالة بن سلول فأسرع إلى النبى ﷺ يخبره ، فاستدعاه ، فلما شعر بن سلول أن مقالته بلغت النبى ﷺ أسرع ينفى وينكر ماقاله ، ولكن الآيات نزلت تفضح عبد الله بن سلول وتحكى مقالته ، وتأكيد وتصديق لما نقله عنه زيد ابن أرقم فى قول الله تعالى : ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) ﴾ المنافقون . وشاع بين الناس أن النبى ﷺ سيأمر بقتل ابن سلول ، ولكن النبى ﷺ الرؤوف الرحيم بأمته قال : "إنَّا لا نَقْتله بل نَترفَّق به ونُحْسن صُحبته ما بقى معنا" .
- لذلك تعتبر غزوة بنى المصطلق من الغزوات المباركة التى أسلمت عقبها قبيلة بأسرها ، وكان زواج النبى ﷺ من جُويرية بنت الحارث بركة على قومها ، وأصبحت من أمهات المؤمنين ، إذ استكثر الصحابة على أنفسهم أن يكون أصهار رسول الله ﷺ تحت أيديهم أسرى فأعتقوهم جميعا .
- تعد غزوة مؤتة من أشهر الغزوات التى غزاها المسلمون فى عهد النبى ﷺ ، فقد كان سبب هذه الغزوة أن النبى ﷺ أرسل الحارث بن عمير الأزدى (رضى الله عنه) بكتابه إلى عظيم بصرى ، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغسَّانى ، وكان عاملاً على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر الروم - فاعتقله وأوثقه ، وضرب عنقه فقتله ، وكان قتل السفراء والرسل من أشد الجرائم التى تسبب إعلان الحرب ، واشتدد ذلك على النبى ﷺ ، وجهز جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل .
- خرج الرسول ﷺ مع جيش المسلمين يودعهم ، ويوصيهم بألا يقتلوا امرأة ، ولا شيخ كبير ، ولا راهب فى صومعته ، ولا يقطعون شجرة ولا نخلاً ، ولا يهدموا المنازل ، وخرجت نساء المسلمين تودع أزواجهن ..
- استعمل النبى ﷺ زيد بن حارثة (رضى الله عنه) على جيش المسلمين وقال : إن أصيب زيد ، فجعفر بن أبى طالب ، فإن أصيب جعفر ، فعبد الله بن رواحة .. وتحرك الجيش حتى وصل إلى مكان يسمى "معان" من أرض الشام ، وعلم هرقل بمسير جيش المسلمين فأرسل جيشا من مائة ألف مقاتل .
- بلغ المسلمون أمر هذه الجموع الغفيرة التى أرسلها هرقل وأقاموا ليلتين يفكرون فى أمرهم وكيف يصنعون أمام هذه الأعداد الكبيرة من جيش الروم ، لكن الصحابى الجليل عبد الله بن رواحة (رضى الله عنه) تقدم وقال لهم : يا قوم ، والله إن التى تكرهون للتى خرجتم تطلبون : الشهادة ، لا نقاتل الناس بعدد ، ولا قوة ، ولا كثرة ، بل نقاتلهم بهذا الدين الذى أكرمنا الله به ، فانطلقوا ، فإنما هى إحدى الحسنيين : إمَّا ظهور وإمَّا شهادة ، فوافقه المسلمون ، وارتفعت همتهم لملاقات جموع الروم .
- سار المسلمون حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع الروم بقرية يقال لها "مشارف" فانحاز المسلمون إلى قرية مؤتة التى حدثت فيها المعركة ، وبدأت المعركة بين ثلاثة آلاف من المسلمين وبين مائة أو مائتى ألف من جيوش الروم . أخذ الراية زيد بن حارثة وجعل يقاتل بضراوة حتى قُتل ، فأخذ الراية جعفربن أبى طالب وقاتل قتالا شديدا حتى اقتحم صفوف الروم وعقر فرسه ثم قاتل حتى قطعت يمينه ، فأخذ الراية بشماله ، فقطعت فاحتضن الراية بعضديه حتى قُتل ، فأخذ الرايه عبد الله بن رواحة ، وتقدم وقاتل حتى قُتل ، فأخذ الراية ثابت بن أرقم ، ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد .
- أخذ الراية خالد بن الوليد ونظم صفوف المسلمين ، واستمر القتال يوما كاملا لم يتراجع المسلمون فيه لحظة واحدة أمام طوفان جيش الروم ، وأثناء الليل أعاد خالد توزيع جنوده وبدل المواقع فى المقدمة والمؤخرة ، والميمنة والميسرة . أثمرت هذه الخدعة على معنويات جيوش الروم ظنًا منهم أن مددا جاء لجيش المسلمين ، وتوقف الروم عن مهاجمة المسلمين ، وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة وانسحب بجيشه بسلام وعاد إلى المدينة ، وكانت خسائر المسلمين ثلاثة عشر مقاتلا فقط ، بينما خسائر جيش الروم ثلاثة آلاف وثلاثمائة مقاتلا تقريبا .
- بلغ النبى ﷺ أن الروم تتجهز لغزو الحدود الشمالية للجزيرة العربية ، وأنهم أعدوا جيشا جرارًا لهذا الغزو ، لذلك أرسل النبى ﷺ لجميع القبائل يدعوهم للتهيؤ وإعداد العدة لمهاجمة الروم ، ودعا أغنياء المسلمين للمشاركة بأموالهم فى تجهيز الجيش ، فأقبل الأغنياء بنفقات عظيمة ، وكان عثمان بن عفان (رضى الله عنه) أكثرهم نفقة
- أما الذين دخلوا فى الإسلام طمعا فى مغانم الحرب أو خوفا من سلطان المسلمين ، فقد تثاقلوا والتمسوا الأعذار ، ومنهم من كانوا يثبطون غيرهم قائلين لهم لا تنفروا فى الحر ، وكان ممن تخلف عبد الله بن سلول زعيم المنافقين الذى رجع بجيشه ، كما تخلف أهل الأعذار من الضعفاء .
- خرج النبى ﷺ بجيشه من المدينة لغزو الروم واستخلف على المدينة الصحابى الجليل مُحمد بن مَسْلمة ، وخلف على بن أبى طالب (رضى الله عنه) على أهله ، لكن المنافقون قالوا إن الرسول ﷺ لم يأخذه معه لأنه مستثقلٌ منه وتركه استخفافا ، وعندما سمع علىّ بهذا القول حمل سلاحه ولحق برسول الله ﷺ وأخبره ما يقول المنافقون ، فقال صلى الله عليه وسلم : "أمَا تَرضى أنْ تَكونَ منِّى بِمَنزلةِ هارونَ من موسى ، إلَّا أنَّه لا نبىَّ بَعدى ؟" وسمى الجيش آنذاك بجيش العُسرة لشدة ما لاقى من مشقة ، فكان الكثير منهم قليلى الزاد ، فكان العشرة منهم يتعاقبون بعيرا واحدا ، وكانوا يدخرون الماء لندرته ، حتى أنهم كانوا ينحرون الإبل ليشربوا الماء فى باطنها .
- تخلف أثناء السير الصحابى الجليل أبو ذر الغفارى الذى تقاسعت به ناقته فتركها وحمل متاعه على ظهره محاولا اللحاق بركب الرسول ﷺ إلى أن تلقاه الرسول ﷺ هاشًا باشًا ، ويقول : يرحم الله أبا ذر ، يعيش وحده ، ويموت وحده ، ويحشر يوم القيام وحده ..
- انطلق الجيش إلى تبوك ، وبلغ الروم أمر جيش المسلمين وقوته ، ففرت الجيوش الرومانية العملاقة التى كانت تحكم هذه البلاد ، وانسحبوا إلى داخل الشام يتحصنون بها ، وكان يُحنة بن رؤية صاحب أيلة (بلد على حدود الشام) أحد الأمراء المقيمين على حدود الشام ، فوجه النبى ﷺ إليه رسالة : أن يذعن أو يغزوه ، فأقبل يحنة على النبى ﷺ وصالحه على أن يدفع الجزية ، وكذلك صالحه أهل جرباء ، وأذرح (قريتان من قرى الشام) على دفع الجزية المقررة .
- قرر النبى ﷺ العوده بجيشه إلى المدينة بعد أن أرهب جيوش الروم وبعد عقد الإتفاق مع أمير أيلة والبلاد المجاورة ، واستقبال عدد كبير من الوفود للمصالحة وإعلان إسلامها ، وبذلك تم تأمين حدود شبه الجزيرة العربية تأمينا كاملا .
- على الرغم من انتصارات المسلمين المتتالية ، إلا أن المنافقين ما زالوا يكيدوا للمسلمين يحاولون التفريق بينهم وإثارة البلبلة حتى أن بعضهم بنى مسجدا يأوى إليه جماعة منهم يحاولون تحريف كلام الله عن موضعه ، وبلغ من جرأتهم أنهم طلبوا من النبى ﷺ أن يصلى لهم قبل ذهابه إلى تبوك وينزل قول الله عزَّ وجلَّ يخبر النبى ﷺ بخبر هؤلاء المنافقين : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) ﴾ التوبة .
- انتهت المعركة دون قتال لأن جيوش الروم تشتت فى البلاد خوفا من مواجهة جيش المسلمين مما أدى إلى سقوط هيبة الروم فى نفوس جميع العرب ، وإظهار قوة الدولة الإسلامية ، وتوحيد الجزيرة العربية تحت حكم النبى ﷺ وإعلان الكثير من القبائل العربية إسلامها بعد عودة النبى ﷺ من غزوة تبوك .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛